فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 490

وسبب غلطه: أن اللطيفة المدركة من الإنسان إذا صفت بالرياضة، وانقطعت علقها من الشواغل الكثيفة: صار الحكم لها بحكم استيلاء الروح والقلب على البدن، ومصير الحكم لها. فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متصلة بهما، وتشتد عناية الروح بها، وتصير في محل تلك العلائق والشواغل، فتملأ القلب. فتصرف تلك المعاني إلى المنطق والخطاب القلبي الروحي بحكم العادة، ويتفق تجرد الروح، فتتشكل تلك

المعاني للقوة السامعة بشكل الأصوات المسموعة، وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية، فيرى صورها، ويسمع الخطاب، وكله في نفسه ليس في الخارج منه شيء. ويحلف أنه رأى وسمع، وصدق. لكن رأى وسمع في الخارج، أو في نفسه؟ ويتفق ضعف التمييز، وقلة العلم، واستيلاء تلك المعاني على الروح، وتجردها عن الشواغل.

فهذه الوجوه الثلاثة هي وجوه الخطاب، ومن سمّع نفسه غيرها فإنما هو غرور، وخدع وتلبيس، وهذا الموضع مقطع القول، وهو من أجل المواضع لمن حققه وفهمه، والله الموفق للصواب.

فصل قال: «الدرجة الثانية: إلهام يقع عيانا. وعلامة صحته: أنه لا يخرق سترا، ولا يجاوز حدا، ولا يخطئ أبدا» .

الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدرجة الأولى: أن ذلك علم شبيه بالضروري الذي لا يمكن دفعه عن القلب. وهذا معاينة ومكاشفة. فهو فوقه في الدرجة، وأتم منه ظهورا، ونسبته إلى القلب نسبة المرئي إلى العين، وذكر له ثلاث علامات:

إحداهما: «أنه لا يخرق سترا» أي صاحبه إذا كوشف بحال غير المستور عنه لا يخرق ستره ويكشفه، خيرا كان أو شرا، أو أنه لا يخرق ما ستره الله من نفسه عن الناس، بل يستر نفسه، ويستر من كوشف بحاله.

الثانية: «أنه لا يجاوز حدا» يحتمل وجهين:

احداهما: أنه لا يتجاوز به إلى ارتكاب المعاصي، وتجاوز حدود الله، مثل الكهان، وأصحاب الكشف الشيطاني.

الثاني: أنه لا يقع على خلاف الحدود الشرعية، مثل أن يتحسس به على العورات التي نهى الله عن التجسس عليها وتتبعها، فإذا تتبعها وقع عليها بهذا الكشف، فهو شيطاني لا رحماني.

الثالثة: أنه لا يخطئ إلا نادرا، بخلاف الشيطان، فإن خطأه كثير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صائد: «ما ترى؟» قال: أرى صادقا وكاذبا. قال: «لبّس عليك» [1] ، فالكشف الشيطاني لا بد أن يكذب، ولا يستمر صدقه البتة.

(1) أخرجه مسلم (2925/ 87) في الفتن وأشراط الساعة، باب: «ذكر ابن صياد» ، والترمذي (2247) في الفتن، باب: ما جاء في ذكر ابن صائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت