فصل قال «الدرجة الثالثة: إلهام يجلو عين التحقيق صرفا، وينطلق عن عين الأزل محضا، والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها» .
عين التحقيق عنده هي الفناء في شهود الحقيقة، بحيث يضمحل كل ما سواها في ذلك الشهود، وتعود الرسوم أعداما محضة، فالإلهام في هذه الدرجة يجلو هذا العين للملهم صرفا، بحيث لا يمازجها شيء من إدراك العقول ولا الحواس، فإن كان هناك إدراك عقلي أو حسي لم يتمحض جلاء عين الحقيقة. والناطق عن هذا الكشف: أن كل الخلق عنه في حجاب. وعندهم: أن العلم والعقل والحال حجب عليه، وأن خطاب الخلق إنما يكون على لسان الحجاب، وأنهم لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب، فلذلك تمتنع الإشارة إليه، والعبارة عنه. فإن الإشارة والعبارة إنما يتعلقان بالمحسوس والمعقول، وهذا أمر وراء الحس والعقل.
وحاصل هذا الإلهام: أنه إلهام ترتفع معه الوسائط وتضمحل وتعدم، لكن في الشهود لا في الوجود. وأما الاتحادية، القائلون بوحدة الوجود: فإنهم يجعلون ذلك اضمحلالا وعدما في الوجود، ويجعلون صاحب المنازل منهم، وهو بريء منهم عقلا ودينا وحالا ومعرفة، والله أعلم.
فصل المرتبة العاشرة من مراتب الهداية: الرؤيا الصادقة. وهي من أجزاء النبوة، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» [1] .
وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور: إن أول مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا الصادقة، وذلك نصف سنة، ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين سنة، من حين بعث إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه فنسبة مدة الوحي في المنام من ذلك: جزء من ستة وأربعين جزءا. وهذا حسن، لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة: «إنها جزء من سبعين جزءا» [2] .
(1) البخاري (6988) في التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ومسلم (2263/ 6) في أول الرؤيا، وأبو داود (5018) في الأدب، باب: ما جاء في الرؤيا.
(2) رواه مسلم (4205) في الرؤيا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وابن ماجة (3887) وراجع: فتح الباري (12/ 380) ففيه فوائد قيمة.