فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 490

وقد قيل في الجمع بينهما: إن ذلك بحسب حال الرائي، فإن رؤيا الصديقين من ستة وأربعين، ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين، والله أعلم.

والرؤيا: مبدأ الوحي، وصدقها بحسب صدق الرائي. وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا، وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [1] . وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها، فيتعرض المؤمنون بالرؤيا. وأما في زمن قوة نور النبوة: ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا.

ونظير هذه الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة، ولم تظهر عليهم، لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم. وقد نص أحمد على هذا المعنى. وقال عبادة بن الصامت: «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام» ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات، يا رسول الله؟ قال:

«الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له» [2] . وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما أروا ليلة القدر في العشر الأواخر قال: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان» [3] .

والرؤيا كالكشف، منها رحماني، ومنها نفساني، ومنها شيطاني. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة، فيراه في المنام» .

والذي هو من أسباب الهداية: هو الرؤيا التي من الله خاصة.

ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليه السّلام بالرؤيا.

وأما رؤيا غيرهم: فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها.

(1) مسلم (2263/ 6) في أول الرؤيا، وأحمد (2/ 269) ، وقال الشيخ أحمد شاكر (7630) : «إسناده صحيح» .

(2) مسلم (479/ 207) في الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وأبو داود (876) في الصلاة، باب: في الدعاء في الركوع والسجود.

(3) البخاري (1158) في التهجد، باب: فضل من تعار من الليل فصلى، مسلم (1165/ 207) في الصيام، باب: فضل ليلة القدر، والحث على طلبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت