فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو تواطأت؟.
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمة لم يعرف الرائي اندراجها فيه، فيتنبه بالرؤيا على ذلك. ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة، ويذكر الله حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة.
وأصدق الرؤيا رؤيا الأسحار، فإنه وقت النزول الإلهي، واقتراب الرحمة والمغفرة، وسكون الشياطين. وعكسه رؤيا العتمة، عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية. وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام» .
وللرؤيا ملك موكل بها، يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله، فيضربها لكل أحد بحسبه. وقال مالك: «الرؤيا من الوحي وحي» وزجر عن تفسيرها بلا علم. وقال:
«أتتلاعب بوحي الله؟» .
ولذكر الرؤيا وأحكامها وتفاصيلها وطرق تأويلها مظان مخصوصة بها، يخرجها ذكرها عن المقصود. والله أعلم [1] .
مسألة فإن قيل: فالله تعالى لا يكلم عباده؟
قيل: بلى، قد كلمهم، فمنهم من كلمه الله من وراء حجاب منه إليه بلا واسطة، كموسى. ومنهم من كلمه على لسان رسوله الملكي، وهم الأنبياء. وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله، فأنزل عليهم كلامه الذي بلّغته رسله عنه [2] .
(1) مدارج السالكين (1/ 5237) .
(2) مدارج السالكين (1/ 26) .