مثال لأوقات النزول وقت نزول فرض الحج لما نزل فرض الحج، بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير، فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر، وأما قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلََّهِ} [البقرة: 196] ، فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فرضية الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.
فإن قيل: فمن أين لكم تأخير نزول فرضه إلى التاسعة، أو العاشرة؟ قيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر (سورة آل عمران) ، وناظر أهل الكتاب، ودعاهم إلى التوحيد، والمباهلة. ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلََا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا} [التوبة: 28] ، فأعاضهم الله تعالى من ذلك بالجزية.
ونزول هذه الآيات والمناداة بها، إنما كان في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج، وأردفه بعلي رضي الله عنه، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف، والله أعلم [1] .
وقت نزول سورة براءة [ثبت] أنه صلى الله عليه وسلم لم يأخذ من أحد من الكفار جزية إلا بعد نزول سورة (براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية، أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، وأخذها من النصارى [2] .
(1) زاد المعاد (2/ 101، 102) .
(2) زاد المعاد (3/ 151) .