وكلُّ هذه الأقسام مفروضةٌ فيمن يملك المهر والنفقة، فإن كان لا يملكهما وخشي الزنا، فعليه أن يتكسَّب حتى يحصل عليهما؛ إذ الإنسانُ مأمور بالسعي؛ ليتكسَّبَ ما يلزمُه، فإن اشتدَّ الخوفُ ولم يكن عنده الآن ما يجعله مهرًا يستدين، ويسعى لقضاء ذلك الدين متى علم المؤمنون أنه يستدين؛ لتحصين النفس، وليس عنده ما هو محتاجٌ إليه، ولم يقصِّر في طلبه فلا يبخلون بإعطائه ما يكفيه، والله سبحانه وتعالى يعينه على قضائه؛ لقوله (:(ثلاثة حقٌّ على الله تعالى عونهم: المكاتبُ الذي يريد الأداء، والمتزوِّج الذي يريد العفاف، والمجاهدُ في سبيل الله) (1) .
فلو فرض بعد كلِّ ما تقدَّم وقلنا أنه لم يجد مَن يعطيه، فعليه بالصوم، فإنّه قاطعٌ للشهوة؛ لقوله (:(معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليزوج، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (2) .
ومع ذلك فمَن ذا الذي لا يجد المهر والنبي ( يقول:(التمس ولو خاتمًا من حديد) (3) ، فالغرض من الحديث التنبيه على أنّ المهرَ ليس مقصودًا في عقد الزواج، بل الغرض شيء أسمى وأعظم منه، فلا تمتنعوا عن الزواج بحجّة أن لا شيء معكم للمهر؛ لأن الزواجَ يصحّ ولو كان المهر قليلًا.
(1) في جامع الترمذي 4: 184، وقال: حسن. وسنن النسائي 10: 318، واللفظ له إلا أنه فيه بدل المتزوج: الناكح. وسنن البيهقي الكبير 7: 78 وغيرها.
(2) في صحيح البخاري 2: 673، وصحيح مسلم2: 1018 وتمامه فيهما (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) .
(3) في صحيح البخاري 5: 1973، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 1040 وغيرهما.