الكتاب الرابع
في الأولاد
الباب الأول
في ثبوت النسب
الفصل الأول
في ثبوت نسب الولد المولود
حال قيام النكاح الصحيح
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (1) ، فمَن تأمل في هذه الآية ظهر له جليًّا حكمة قصر المرأة في التزوّج على رجل واحد؛ إذ بهذا يمكِّن كلّ شخص أن يعرفَ مَن انتسبَ إليه من أي جهة كانت، فبالتوالد تتكون الشعوب والقبائل، ويقوم كلٌّ بما يلزمُ الآخر من التربية والنفقة والخدمة وغيرها عند الاحتياج؛ ولذا عني الفقهاءُ بثبوت النسب وبيَّنوا أحكامَه أتمَّ بيان، ولَمَّا كان لا يتأتى إلاَّ بعد الحمل في مدّة مخصوصةٍ استنبطوها من الكتاب والسنة حتى يبنوا الأحكام عليها، فقالوا:
أقلُّ مدّة الحمل ستّة أشهر.
وغالبها تسعة أشهر.
وأكثرها سنتان.
واستدلوا على الأول: بقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} (2) ، مع قوله في آية أخرى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن} (3) ، فإذا طرحنا مدّة الفصال التي هي عامان من مدّة الحمل والفصال التي هي ثلاثون شهرًا، بَقِيَ ستّة أشهر، وهي مدّة الحمل.
واستدلوا على الثاني: بالمشاهدة.
وعلى الثالث: بقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما تزيد المرأة في الحمل على السنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل) (4) ، وظلّ المغزل مثل للقلة؛ لأنه في حالة الدوران أسرع زوالًا من سائر الظلال. أنظر: مادة (332 ) (5) .
وينبني على ذلك أنه إذا تزوّج رجلٌ بامرأةٍ وكان العقد صحيحًا، ثم ولدت فلا يخلو الحال من أحد أمرين:
(1) من سورة الحجرات، آية 13.
(2) من سورة الأحقاف، آية15.
(3) من سورة لقمان، آية 14.
(4) في سنن البيهقي الكبير 7: 443، وسنن الدارقطني 3: 322، وتهذيب الأسماء 3: 135، وغيرها.
(5) مادة 332): أقلّ مدّ: ة الحمل ستّة أشهر وغالبها تسعة أشهر، وأكثرها سنتان شرعًا.