، وإنّما كان حلالًا إعتبار اباحته: أي بعض الأوقات أعنى أوقات تحقّق الحاجة إليه، ولا يمكن إثبات الإباحة مطلقًا لمنافاته إثبات جهة الحظر إذ لا شكّ في أنه بلا سبب أصلًا لا ينبغي الإقدام عليه، وينسبُ صاحبه للحمق لما فيه من كفران النعمة والإيذاء المنهي عنه.
ولا يمكن أن يحمل طلاق النبي ( وأصحابه ( على أن يكون صادرًا بلا سبب أصلًا بأن يكون لغوًا وعبثًا، بل لا بُدَّ من سبب معتبر شرعًا: كالأعذار المذكورة ونحوها، ومَن تأمل في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} (1) ، ظهر له جليًّا أن الغرضَ التباعد عن الفراق بقدر الاستطاعة، فالذي ينبغي التعويل عليه أن الشريعة الإسلامية لم تبح الطلاق في أي وقت ولم تمنعه كذلك، بل هي وسط بين الاثنين.
إذا عرفت هذا تعلم أن ما يحصل من إيقاع الطلاق بلا سبب جهلٌ بما هو المعوَّل عليه في الشريعة الإسلاميّة أو هو خروج عمَّا تأمر به، فالعيب كلّ العيب إنّما هو على مَن يدَّعي أنه متبعٌ للشريعة ولا يدري ما فيها، أو يعلمه ولكن لا يعمل به، والشريعة بريئة من التقصير والقصور، ومَن اطّلع على ما قاله العلامة ابن عابدين في (( حاشيتيه على البحر الرائق ) )و (( الدر المختار ) )أول كتاب الطلاق ظهر له جليًا صحّة ما قلناه.
فالطلاق له محاسن كثيرة:
منها: التخلص به من المكاره إذ لو فرض أنه لم يشرع وأن مَن تزوَّج امرأة لا يباح له تطليقها أصلًا، وحصل من أحدهما ما ينفر الآخر، وليس هناك طريقة للفرقة إلا الموت لربما يرتكب أسبابه ليتخلّص من صاحبه.
ومنها: شرعه ثلاثًا؛ لأن النفس كذوبة ربّما يظهر لها عدم الحاجة إلى الزوجة، ثم يحصل الندم فشرع ثلاثًا؛ ليجرب نفسه أولًا وثانيًا.
(1) من سورة النساء، الآية (35) .