فإن كان الأول؛ كما إذا تناول الشخصُ شيئًا محرمًا طائعًا مختارًا سواء كان خمرًا أو نبيذًا أو حشيشًا أو أفيونًا أو بنجًا فسكرَ وغابَ عقلُه بحيث صار لا يميز الأشياء عن بعضها بأن لا يعرف الرجل من المرأة، ولا السماء من الأرض، ولا الطول من العرض، وطلَّق زوجتَه وقعَ عليه الطلاق، لكن يشترط أن يكون زوال العقل مترتّبًا على السكر، فلو شرب فصدع رأسه وزال عقلُه بالصداع، وطلَّقَ لم يقع طلاقه؛ لأن علَّةَ زوال العقل الصداع، والشرب علّة العلة، والحكم لا يضاف إلى علة العلّة إلا عند عدم صلاحية العلّة.
وقال جمع من الصحابة: بعدم الوقوع ووافقهم بعض الحنفية؛ لأنه لا قصد له كالنائم، بل هو أسوأ حالًا منه؛ لأن النائمَ إذا استوقظ استيقظ بخلاف السكران، وهذا لأن شرطَ صحّة التصرّف العقل، وقد زال فصار كزواله بالدواء وغيره من المباحات، وكون زوال عقله بسبب هو معصية لا أثر له وإلا صحّت ردّته.
ولنا: أنه مخاطبٌ شرعًا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} (1) ، فوجبَ نفوذ تصرّفه؛ لأن عقلَه زال بسبب هو معصية، فيجعل باقيًا زجرًا له بخلاف ما إذا زال بالمباح.
والظاهر عدم وقوع طلاق السكران ولو سكر بمحظور؛ لأن الطلاقَ ليس عقابًا له فقط، بل يترتَّب عليه قطع الزواج المترتّبة عليه المصالح الدينية والدنيوية والإضرار بالزوجة وبأولادها منه وبأهلها، فلو أوقعنا طلاق السكران لعاقبنا غير المذنب ممَّن ذكر، وهو غير جائز فلا يعاقب إلا السكران، وعقابه يكون بالحدّ؛ لينْزَجر عن مثل هذا ويعتبر غيره.
وإن كان الثاني؛ وهو ما إذا كان زوالُ العقل بسبب غير المعصية، كما إذا تعاطى المسكرَ للتداوي بعد أن تعيَّن فيه الشفاء بإخبار طبيب ماهر عدل، أو شرب شيئًا من المباحات، ولكن لعدم موافقة الطبيعة زاله عقله، فلا يقع الطلاق.
(1) من سورة النساء، الآية (43) .