وقصة اليهود مع (الحيّة) قديمة، منذ اعتقادهم السيئ في (عصا موسى) ، وقدراتها المعجزة، والتي جاءت تصديقًا لدعوة موسى عليه السلام، ولكنهم لم يروا فيها إلا التقديس لذاتها، ثم تخبرنا التوراة أنهم حينما تذمروا من طول طريق الخروج على الله وعلى موسى، أرسل الرب عليهم حيّات نارية فلدغتهم ومات منهم قوم كثيرًا، فأقبلوا إلى موسى يقولون: قد خطئنا بكلامنا الرب وعليك، فتضرع موسى إلى الرب من أجلهم. فقال له الرب: اصنع لك حيّة وارفعها على سارية، فكل لديغ ينظر إليها يحيا. فصنع كذلك فكان أي إنسان لدغته حيّة، ونظر إلى الحيّة النحاسية يحيا. فقال الجاحدون: لا غرو أن من نظر إلى صورة الحيّة رجاء البرء فقد وقع في عبادة الأوثان، فكيف عرّضهم موسى لذلك؟ وقد فاتهم أن مجرد النظر إلى حيّة لا قوة لها بنفسها ليس هو الذي يحيي اللديغ، بل الله هو المحيي بهذه الوسيلة، فأية عبادة وثنية في صنع ما أمر الله به؟ [1] . ثم إن بني إسرائيل زادت عبادتهم للمنحوتات وأظهروا نوعًا من التكريم لهذه الحيّة، حتى جاء النبي (حزقيا) فسحقها بأمر الله حين كان بنو إسرائيل يقدمون لها البخور [2] .
يقول (وِل ديورانت) :"شواهد كثيرة تدل على أنهم عبدوا الأفعى، ومن هذه الشواهد صورة الأفعى التي وجدت في أقدم آثارهم، ومنها الأفعى النحاسية التي صنعها موسى والتي عبدها اليهود في الهيكل إلى أيام حزقيا (حوالي 720 ق. م) . وكانت الأفعى تبدو حيوانًا مقدسًا لليهود، كما كانت تبدو لشعوب كثيرة عداهم، وذلك لأنها رمز للذكورة المخصبة من جهة، ولأنها من جهة أخرى تمثل الحكمة والدهاء والخلود، فضلًا عن أنها تستطيع أن تجعل طرفيها يلتقيان" [3] . ويرى بعض الباحثين أن أصل عبادتها كان عند أهل مدين [4] .
(1) سفر العدد، اصحاح 4، مقطع 9:3، ولاشك أن ذلك من الكذب على موسى عليه السلام، فإن مجرّد النظر إلى الحية ليس سببًا للشفاء شرعًا ولا واقعًا .. ولاحظ معي أنه ذات الشعار الذي وضعته الماسونية الصهيونية في محلات الدواء والصيدليّات.
(2) سفر الملوك 2، اصحاح 18، مقطع 4
(3) ديورانت، مرجع سابق، 2/ 339
(4) عواطف بنت اديب بن علي سلامة، أهل مدين دراسة للخصائص والعلاقات، د. ط، (الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 1422 - 2001 م) ، ص 601