فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 448

بعد أن نفوا صفات الكمال، أثبتوا صفات النقص فصوّروا الله سبحانه يصورة حسّية، ونسبوا إليه من صفات القصور والجهل إلى غير ذلك من صفات الحوادث.

على الرغم من أن الله أرسل إليهم رسلًا أغيارًا على التوحيد، فأعلنوا حقيقة الله وشريعته. وكان اتجاه اليهود إلى التجسيم والتعدّد واضحًا في معظم مراحل حياتهم، وليس أدلّ على ذلك من كثرة أنبيائهم، نظرًا لتجدد الشرك فيهم وبالتالي تجدد الحاجة إلى أنبياء يجددون الدعوة إلى التوحيد.

ويظهر من خلال استقراء الأسفار اليهودية المحرّفة التي يتكوّن منها (العهد القديم) ، أن اليهود لم يتقبّلوا فكرة أن يكون الههم مجرّدًا غير محسوس، فتخيّلوه وهو يتجلّى في الرعد والبرق وانهمار المطر، وما إلى ذلك من الظواهر الطبيعية [1] .

"وفي جميع أسفار التوراة، حتى في أحدثها، ترى العوارض الجوية ملازمة لذلك الإله، مخبرة به على الدوام" [2] . وتمضي العلاقة مع الله - حسب التوراة- إلى حد الاستهتار، فكثيرًا ما تصّوره التوراة على دخوله في نقاش حاد مع عباده، وليت الذي ألّف هذه المناقشات قد فطن إلى الاحتفاظ لها بما ينبغي أن تكون عليه من سموّ ووقار، ولكنه أجراها على مستوى لا يكون إلا بين الأنداد الحمقى من بني البشر.

وأشنع من ذلك أنها تصور الله بالراحة والانتعاش من رائحة الدخان المتصاعد من المحروقات، وتصف التوراة الذات العلية بالنسيان، حتى في عهوده التي قطعها على نفسه! وأنه كثيرًا ما يقع في الخطأ، ثم سرعان ما يندم على خطئه - جلّ الله عما يقولون علوًّا كبيرًا -.

والباطل أبشع من أن يُذكر، فهو تارة (يتمشى) وتارة (يصُارع) وتارة (يخاف) وتارة (يستريح) ! ... وتارة (يتلقى الأوامر من الأنبياء) .. ونستغفر الله من حكاية ذلك كله [3] .

ومن أعجب العجب في الرواية التوراتية أن القوم يعودون إلى ربهم بعد المعصية كي يخرجوا بقوة جديدة، ضاحكين على ربهم، مستغلين علاقاتهم به، لأنهم -كما استقر في نفوسهم وكما ألفوا واطمأنوا إليه- سيعودون إلى ما كانوا عليه دون خوف من

(1) الصلاح، الشخصية اليهودية، مرجع سابق، ص 110:109 (بتصرف) .

(2) غوستاف لوبون، مرجع سابق، ص 97

(3) بيومي، مرجع سابق، 4/ 413:403، وفيه تفصيل مواقع ذلك في كتابهم المقدس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت