وقد ذهب (ابن خلدون) إلى التفريق بين (الملْك) و (الخلافة) ، فذكر أن"الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها" [1] .
ويرى البعض أنّ"من الفروق أيضًا الطريق التي يتم بها الملك أو الخلافة، فالملك يتم عادة عن طريق القهر والغلبة والعهد من الآباؤ للأبناء ونحو ذلك، دون الرجوع إلى أهل الحل والعقد، أما الخلافة فلاتكون إلا بإقرار أهل الحل والعقد سواء عن طريق الاختيار أو عن طريق الاستخلاف" [2] .
ولكن يبدو للباحث أن هناك خلط بين المتعارف عليه عند المتأخرين، وبين المصطلح القرآني الذي لم يذم (الملك) ولم يمدحه بإطلاق، ولكن وفق تصّورات معيّنة كالتالي:
?/ أن الأصل فيه أنه نعمة وهبة من الله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [3] .
ب/ ليس عيبًا ولا قدحًا في الأخيار أن يكونوا ملوكًا، بل ذلك فضل كبير لمن اتقى وحكم بشرع الله، وقد كان بعض الأنبياء ملوكًا في القرآن، كداود وسليمان عليهما السلام، وبعض الأخيار الصالحين كطالوت وذي القرنين وملكة سبأ، وبعض العادلين من الكافرين كـ (الملك) في قصة يوسف عليه السلام.
جـ/ اصطفى الله عددًا من خلقه وهيأهم أن يكونوا ملوكًا، لما في (الملْك) من كمال التدبير للأمة ورفعتها، وقد قال الله في خبر طالوت {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} [4] ، وقال في
(1) تاريخ ابن خلدون، مرجع سابق، 1/ 238
(2) الدميجي، عبد الله بن عمر بن سليمان، الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة، ط 2، (الرياض، دار طيبة) ، ص 40
(3) سورة آل عمرآن، آية: 26
(4) سورة البقرة، آية: 247