وسفك الدماء وإذهاب النفوس المفضي ذلك إلى انقطاع النوع -وهو مما خصّه الباري سبحانه بالمحافظة - فاستحال بقاؤهم فوضى دون حالم يزع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكّم" [1] ."
ولذلك نقل الطرطوشي في قوله تعالى {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [2] أنه قيل في معناه: لولا أن الله تعالى أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف، وينصف المظلوم من ظالمه، لتواثب الناس بعضهم على بعض، ثم امتن الله تعالى على عباده بإقامة السلطان لهم بقوله تعالى (( وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) ).
وقال بعض الحكماء: جور السلطان أربعين سنة خير من رعية مهملة ساعة واحدة [3] .
قال الرازي:"ولهذا يدفع الله تعالى عن المسلمين أنواع شرور الدنيا بسبب وضع الشرائع، وبسبب نصب الملوك وتقويتهم" [4] .
وقال الألوسي:"وفي هذا تنبيه على فضيلة الملك وأنه لولاه ما استتب أمر العالم، ولهذا قيل: الدين والملك توأمان ففي ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر، لأن الدين أسّ، والملك حارس، وما لا أسّ له فمهدوم، ومالا حارس له فضائع" [5] .
وبذلك يتضح لنا جليًا أن أي جماعة بدون قائد هي كالجسد بدون رأس، وكالقطيع التائه على غير هدى، وعند غياب القائد تسود الفوضى التي لا تخلّف سوى الدمار، بعيدًا عن أي بناء أو تنظيم.
(1) ابن خلدون، مرجع سابق، 1/ 235؛ وكذلك: الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب، أدب الدنيا والدين، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1407 ه-1987 م) ، ص 112
(2) سورة البقرة، آية: 251
(3) ابن جماعة، بدر الدين محمد بن ابراهيم، تحرير الأحكام في تدبير أهل الاسلام، تحقيق: فؤاد عبد المنعم، ط 1، (قطر: طبعة خاصة برئاسة المحاكم الشرعية) ، ص 49
(4) تفسير الرازي، مرجع سابق، 6/ 206
(5) الألوسي، مرجع سابق، 2/ 174