قال (الشيزري) :"ولا محالة أن الملك إذا كان خاليًا من العلم ركب هواه، وتخبّط ما يليه، إذ لا تحجبه فكرة سليمة، ولا تمنعه حجّة صحيحة، ويكون كالفيل الهائج في البلد القفر، لا يمّر بشئ إلا تخبطه، وإذا كان الملك عالمًا، كان له من علمه وازع يقمع هواه، ويميل به إلى سنن الحق" [1] .
ولاشك أن علم الأحكام الشرعية وفهمها من أولى الأمور التي ينبغي للقائد الإلمام بها، بل قد اشترط جمهور الفقهاء أن يكون مجتهدًا [2] ، ولذلك فسّر (أبو حّيان) قوله سبحانه"بسطة في العلم"بقوله:"والظاهر علم الديانات والشرائع" [3] ، وقال (المظهري) :"والظاهر أن المراد بالعلم علم الشرائع، فإن به يصلح أمور الدين والدنيا" [4] .
ولكن علم (طالوت) الشرعي لا يثبت لنا أنه كان قارئًا أو كاتبًا، فلربمّا كان أمّيًا، وأنه يكون قد تلقّى كثيرًا من معارفه عن طريق العلماء بالسماع، فليست العبرة أنه كان قارئًا أو كاتبًا، وإنما العبرة بقدرته على تحصيل العلم النافع المفيد، بغض النظر عما إذا كان هذا التحصيل وسيلة بقراءة المسطور أم بقراءة المنظور، أم أي وسيلة أخرى من وسائل تحصيل العلم.
ومع أن (الكتابة) في العصر الحاضر من أهم وسائل اكتساب العلم، إلا أنه مهما تعاظم شأنها تبقى وسيلة من وسائل اكتساب العلم، قد تغني عنها وسائل أخرى، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم أميًا ولم يكن ذلك يعيبه، مادام أنه قد بلغ الغاية في العلم بغيره، قادر على تفهّم وتدبر الأحداث من حوله، يعرف حقيقة مجتمعه وواقعه.
فالعلم المطلوب باختصار هو:"العلم الذي به تحصل المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر" [5] .
(1) الشيزري، مرجع سابق، ص 178
(2) الجويني، مرجع سابق، ص 65، وقال تأكيدًا:"ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف".
(3) أبوحيان، مرجع سابق، 2/ 266
(4) المظهري، مرجع سابق، ص 348
(5) البقاعي، مرجع سابق، 3/ 418