إن الأتباع بحاجة إلى قيادة, تعطي ولا تأخذ, تسهر ولاتنام, وتبذل قصار جهدها في راحة المقودين لها [1] . ولا يحصل ذلك كله إلا بصفة (الرفق) , فالرفق في أي أمر يصلح ويعطي أفضل النتائج وأجود الثمرات, بخلاف العنف فمن شأنه أن يفسد ويعطي نتائج سيئة.
إن العنف في مقارعة الخطوب يحطم الطاقات، ويدمر القوى، ويحرم من الظفر بالنتائج المطلوبة. والرفق من شأنه أن يلين عريكة النفوس وإن كانت صلبة جافة قاسية, بخلاف معاملتها بالعنف فإنه يولد صلابة التحدّي والعناد, ويورث العدوات والأحقاد ورغبات الإنتقام [2] .
"إن الرعيّة قد تعامل بالرفق فتزول أحقادها, ويذل مقادها, وقد تعامل بالخُرْق, فتكاشف بما أضمرت, وتقدم على ما نهيت, ثم إن غُلبت كان غُلبها دمارًا. وإن غَلبت لم يحصل بغَلبها افتخار" [3] .
وقد ظهر (الرفق) جليًا من طالوت, حينما لم يشدّد عليهم في الإختبار بل سمح لهم بأخذ غرفة واحدة من الماء لكل واحد بين يديه تكفيه وترويه. حتى قيل أن بعض الذين شربوا أكثر من غرفة لم يشربوا من شدة العطش, وإنما تخلصًا وهروبًا من ميدان المعركة. فأوجدوا لأنفسهم المبرر للرجوع, والقائد (طالوت) لم يكن بحاجة أمثالهم.
كما ظهر ذلك أيضا في ترفق النبي عليه الصلاة والسلام بالخطاب مع بني إسرائيل حين لم يواجههم بحقيقتهم المرة, وإنما تلطف في العبارة فقال: (( هل عسيتم أن كتب عليكم القتال ألاتقاتلوا ) )فجاء به في صيغة الإستفهامية قايلة للوقوع من عدمه.
إن الرفق صفة مهمة جدًا للقادة أكثر من غيرهم ويكفي في ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به} [4] ؛ ولكن لا يفهم من مدح الرفق الأخذ
(1) عميرة, الاستراتيجية الحربية, مرجع سابق, ص 132 (بتصرف) .
(2) الميداني, مرجع سابق, 2/ 352 (بتصرف) .
(3) الشيزري, مرجع سابق, ص 282
(4) رواه أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها رقم: 24666, (القاهرة: مؤسسة قرطبة) , 6/ 93, ورواه مسلم في صحيحه, (باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر) برقم 4826, 6/ 7.