فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 448

ابن عاشور:"ولم يعلموا أن الاعتبار بالخلال النفسانية، وأن الغُنى غنى النفس، ولا وفرة المال، وماذا تجدي وفرته، إذا لم يكن ينفقه في المصالح" [1] .

وقال أبو حيّان:"أخبرهم نبيّهم أن الله تعالى قد اختاره عليكم، وشرّفه بخصلتين هما في ذاته إحداهما: الخلق العظيم، والأخرى: المعرفة التي هي الفضل الجسيم، واستغنى بهذين الوصفين الذاتيين عن الوصفين الخارجين عن الذات، وهما الفخر بالعظم الرميم، والاستكثار بالمال الذي مرتعه وخيم" [2] .

ومن لطائف ما ذكره الفخر الرازي المقارنة بين تلك الصفات مقارنة شائقة إذ قال:"طعنوا [أي بني إسرائيل] في استحقاقة للملك بأمرين؛ أحدهما: أنه ليس من أهل بيت الملك. الثاني: أنه فقير."

والله تعالى بين أنه أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل له وصفان؛ أحدهما: العلم. والثاني: القدرة. وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين، وبيانه من وجوه:

أحدها: أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية، والمال والجاه ليسا كذلك.

والثاني: أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس الانسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان.

الثالث: أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان.

الرابع: أن العلم بأمر الحروب، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد، وفي دفع شر الأعداء أتمّ من الانتفاع بالرجل النسيب الغني، إذا لم يكن له علم بضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء. فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر، أولى من إسناده إلى النسيب الغني" [3] ."

(1) ابن عاشور، مرجع سابق, 2/ 490

(2) البحر المحيط، مرجع سابق, 2/ 268

(3) الرازي، مرجع سابق, 6/ 187، وقد أطال (ابن القيم) في ذكر فضل العلم على المال بكلام نفيس جدًا، وذكر أربعين وجهًا في سبب تفضيل العلم على المال، في كتابه: مفتاح دار السعادة، مرجع سابق, ص 136:129

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت