إلى آخر ما هنالك من التشويه المتعمّد لسيرة الملك البطل (طالوت) ، فيا ويح من كتب هذه السطور، وملأها بالاتهامات الباطلة، والتي لا يخرج القارئ منها إلا بسيرة سيئة لرجل عظيم:
* فتارة يتهمّونه بمحاولة قتل الأنبياء كداود عليه السلام.
* وتارة تلفّق له جريمة قتل العلماء والأولياء.
* وتارة يُرمى بالتمّرد على النبي (صمويل) عليه السلام.
* وتارة أخرى بضرْب من الجنون والمسّ الشيطاني والصرع.
* ثم خاتمة الأثافي الانتحار وقتل نفسه.
فيا لله العجب، ماذا يريد هؤلاء الكتبة من تدنيس أوّل ملك عليهم؟ فيطمسون معاركه وأمجاده لتختزل في أسطر قليلة، ويظهرون حقدهم عليه في عشرات الصفحات التي سوّدوها كذبًا وزورًا.
وإذا ما اتخذ المؤرخ أيًّا كانت عقيدته، هذا السفر الفاسد للحكم على (طالوت) فإنه سيخرج بلاشك ببضاعة مزجاة فاسدة؛ وهذا ما جعل كثيرًا من المؤرخين يقعون في عرض (طالوت) بالسوء، ويتهمونه بكل نعتصه، حتى قال (أبكاريوس) عن طالوت:"كان في أوّل أمره سالكًا طريق الحكمة والاستقامة، ممتازًا بمكارم الأخلاق والتقوى، لكنه أخيرًا تجبّر وتكبّر، اذا اتخذ لنفسه وظيفة الكهنوت المحصورة في الكهنة فقط فقط وعصى الله". [1] وهذا ما سيقوله كل من اعتمد على نصّ التوارة المحرّف.
ولكننا نستنكر من بعض المؤرخين المسلمين الذين وقعوا في (طالوت) بالذّم، وكتاب الله الكريم بين أيديهم، لم يلقوا له بالًا، يقول أحدهم:"وبالرغم من أن أسفار التوراة عظمت شأنه، وجعلت منه رجلًا مقدامًا إلا أنه لم يكن كذلك ... بل كان يداهم المخافر الفلسطينية ليلًا مع رجاله، ويلوذون نهارًا إلى المغاور في الجبال المجاورة، لقد عمد كتّاب الأسفار إلى تسميته ملكًا على اليهود، وهذا زعم باطل؛ لأنه لم يكن إلا رئيس عصابة من رجال الليل، تمّردت على السلطات الفلسطينية،"
(1) أبكاريوس، يوحنّا افندي، قطف الزهور في تاريخ الدهور، ط 2، (بيروت، 1885 م) ، ص 40