وعلى أسوأ الأحوال إن حدثَ ذلك من (طالوت) ، فما هو إلاذنب من الذنوب قد تاب منه، ومعصية من المعاصي قد ندم عليها، وهو ما نبّه إليه بعض علماء الإسلام؛ حتى لا تقع أفواهنا بالسوء لمن مدحه وأثنى عليه رب العالمين، يقول (المباركفوري) :"كانت نية طالوت تغييرت لدواد، وهمّ بقتّله، فلم يقدر عليه فتاب، وانخلع من المُلْك. وخرج مجاهدًا هو ومن معه من ولده حتى ماتوا كلّهم شهداء" [1] .
وذكر نحوًا من ذلك القاضي (أبو اليُمن) [2] ، وأضاف (ابن حجر) مسألة الرؤيا في توبته حيث قال:"فرأى يوشع أو شمويل في المنام فسأله عن توبته، فأمره أن ينخلع من الملك، ويقاتل في سبيل الله حتى يُقتل، فنزل عن الملك لداود، وذهب بأولاده، وهم ثلاثة وعشرون رجلًا فقاتلوا في سبيل الله حتى قُتلوا" [3] .
والذي اختاره (الدَّينوري) أن طالوت تنازل عن الملك برضاه، ولم يقع منه حسد ولا شئ من ذلك، حيث قال بعد حديثه عن المعركة ضد جالوت:"فاجتمع بنو إسرائيل عند ذلك على تمليك داود صلى الله عليه، وخلْع طالوت برضى منه" [4] .
وعلى كل حال فالذي أجزم به أن (طالوت) مات بطلًا وعاش مؤمنًا، وأن (طالوت) نموذج قرآني للقائد الصالح، ويدعم قولي حُجج منها:-
1/ أن الله اصطفاه واختاره؛ ومعنى ذلك أنه كان أفضل بني إسرائيل في وقته بعد النبي صموئيل عليه السلام.
2/ أنه كان من العلماء، وهوما نصّ عليه القرآن، ومن المعلوم أن غاية العلم خشية الله وتقواه، وقد كان طالوت كذلك.
(1) المباركفوري، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، د. ط، (بيروت: دار الكتب العلمية) ، 5/ 184
(2) أبو اليُمن، مرجع سابق، ص 95
(3) ابن حجر، تحفة النبلاء، مرجع سابق، ص 390
(4) الدينوري، أبوحنيفة أحمد بن داود، الأخبار الطوال، تحقيق: فيلاديمير جرجاس، ط 1، (هولندا، ليدن: مطبع بريل، 1888 م) ، ص 20