تحتاج كل حركة تغييرية إلى ثلاث شرائح مختلفة، حيث تعبّر كل شريحة عن طبيعة المرحلة التي تمرّ بها الأمة، وهذه الشرائح الثلاث هي: شريحة البدء وشريحة التغيير وشريحة البناء [1] .
وقد كان دور طالوت القائد وهو من (مرحلة البدء) البحث الدؤوب عن الشريحة القادرة على إحداث التغيير، وهو ما وجده في (داود) وفي القلّة المؤمنة الثابتة المؤمنة بالهدف والفكرة، وهي التي تعطي قوة وتمكينًا للدولة. ثم يأتي بعد ذلك دور شريحة البناء، وهي تضمّ كل الطاقات في المجتمع، وتمارس دورها في ظلّ دولة ممكّنة ومستقرّة.
وأكبر معضلة عند الحركات النهضوية في الأمم هي الوصول إلى شريحة التغيير واصطفاءها، وحضانتها حتى تقوم على قدميها، لتنقل الفكرة من مجرد مشروع وحركة إلى دولة تحمل المشروع وتذود عنه.
ولذلك فقد كان المطلوب من القائد طالوت أن يختار ذوي المواهب العالية، ومن كان فيه قدرات ومميزات القيادة المجتمع، وهذا ما فعله فأولاهم من العناية ما يأخذ بأيديهم إلى المستوى اللائق بهم، ودرّبهم على تحملّ مسؤلياتهم؛ لأن القائد الواحد يربّى قادة، والصف يربي صفوفًا، كلما ذهب قائد حلّ قائد آخر محلّه، وكلما ذهب صف تقدم إلى مكانه الصف الذي يليه.
وليس كل الناس مهيئين للاصطفاء والاختيار، بل هم كما قال صلى الله عليه وسلم {إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة} [2] .
فطبائع الناس تختلف في استعدادها النفسي والفطري للقيادة، وهم في ذلك على ثلاثة أقسام:
(1) جاسم سلطان، قوانين النهضة، مرجع سابق، ص 71:65 (بتصرّف) .
(2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، برقم 6498،8/ 104؛ ورواه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، برقم 2547، 4/ 1973، كلاهما من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.