ولعلّ طالوت أخذ ذلك من سياسة (يوشع بن نون) عليه السلام في تفريغ المجاهدين في سبيل الله، وبإمكاننا أن نستوحي ذلك أيضًا من لفظة (فَصَل) في قول الله سبحانه: (( فلما فصل طالوت بالجنود ) )، إذ أنّها تقتضي الابتعاد عن المشغلات والمثيرات، والبُعد عن ملهيات الدنيا والتفرّغ للجهاد في سبيل الله، قال ابن جماعة:"ينبغي لأهل الجيش ألا يشتغلوا بما يشغل قلوبهم من تجارة أو زراعة أو بناء رباع للمباهاة، لأن ذلك كله ليشغل عن صدق النية في الجهاد، ويصدّ عن المصابرة عند اللقاء، ويفتر العزم عن طلب الشهادة" [1] . وبمثل ذلك قال (الشيرزي) [2] .
فموضوع (التفرّغ) لإنجاز المهام هو من الأمور التي ينبغي مراعاتها وقت أداء المشاريع الكبرى.
-وأمر آخر ينبغي أن يلتفت إليه القائد، وهو أن (التكليف بالمهام) هو إشغال للأتباع بالعمل والبناء، فتذهب جهودهم وتنصرف أذهانهم في إتمام ما كلّفوا به على أحسن وجه، أما إذا تركوا هملًا بلا مهام وتكاليف تناط بهم فإنهم سرعان ما ينقلبون على القيادة، ويعيشون في (فراغ الجدل) الذي تهلك به الأمم.
ولذلك نجد في الآيات سرعة التعقيب بـ (الفاء) : (( فلما فَصل ) )، والتي جاءت بعد مجيء التابوت، فأغلق باب النقاشات والجدل، وانطلق طالوت بمن معه موكلًا لهم مهمّات العمل، والأمة عادة لا تقنع بعد العمل إلا بعمل أقوى منه، حتى تستّمر في عملّية البناء.
(1) ابن جماعة، مرجع سابق، ص 166
(2) الشيرزي، مرجع سابق، ص 613