ونعتقد أن هذه الحلقات المفقودة - إذا جاز هذا التعبير- لا ضرورة لها عند الناظر في تاريخ اليهود، ولا تقدم له الكثير من الفوائد والدروس والدلالات. ونعتقد أن الوقوف أمام الحلقات التي عرضها القرآن، والمشاهد التي قدّمها يكفي الباحث، ويقدم له الكثير من الدروس والدلالات والعبر والعظات.
فإذا ما تجاوز الباحث تقريرات القرآن إلى تفصيلات لم ترد فيه، فإنه لن يجد عندها جديدًا من الدروس والدلالات، ولن يحصل فيها على حقائق ومسلّمات يقينية، ولن يجد فيها إلا ركامًا من الأقوال والروايات والتفصيلات الأسطورية [1] .
وهذا بحقٍّ ما اكتشفته أثناء بحثي عن الدروس والعبر في خبر طالوت، ووجدت أن نبع القرآن من خلال صفحتين من كتاب الله، قد فتح لي من الدروس والفوائد أضعاف أضعاف ما قد يحصّله الباحث في عشرات الصفحات من العهد القديم، أو ما سطره يراع علماء الآثار المحدَثين.
ولعلي أسوق نموذجًا لذلك من قصة (( الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ) )وهي من صلب دراستنا، فنجد أن النص ّالقرآني قد أبرز عناصر محدّدة في قصتهم، هي مواطن العبرة والعظة، وأهمل ما عداها مما لا جدوى من وراء ذكره. فقد أبرز الآتي:-
1 -كثرة أولئك القوم، وكونهم جماعات كثيرة غير قليلة، والذي أفاد هذا هو الإخبار عنهم بأنهم (( وهم ألوف ) ).
2 -تحقق خروجهم من ديارهم وفزعهم منها، بعدما كانوا آمنين فيها، مطمئنين إليها، و العلة التي حركتهم من ديارهم هي الخوف من الموت والفزع منه، فهربوا منه طلبًا للحياة ورغبة فيها.
3 -أنهم جوزوا بنقيض قصدهم، فأذاقهم الله طعم ما كرهوه وهو الموت.
4 -أنه أحياهم وردّ إليهم أرواحهم بعد أن تطاول عليهم الأمد، كما نفهمه من العطف بحرف التراخي الزمني [ثّم] [2] .
(1) الخالدي، الشخصية اليهودية، مرجع سابق، ص 55 (بتصرف) .
(2) البقاعي، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم, نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ط 1، (الهند، حيدرآباد الدّكن: مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية, 1391 ه) ، 3/ 395