فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 448

فكأن الله سبحانه- ذكر مقالتهم في أوله بنصّها لتكون دليلًا دامغًا ضدهم، ولا سيما إذا عاد ليقرن ذلك بفعلهم الذي عاد فيه إلى السرد والوصف.

وهو قد استخدم في كل موضع ما هو أوقع فيه وأنسب: القول والمحاورة في الأول، والوصف والسرد في الآخر، مطابقًا بذلك مقتضى الحال في القصة.

الثاني: المرحلة الأولى من تفصيلات القصة (مرحلة التعريف والتكليف) :

حيث أخبرهم نبيهم بمن وقع عليه اختيار السماء ليكون ملكًا عليهم، بناء على طلبهم السابق في صدر القصة، فما كان منهم إلا أن اعترضوا على هذا الاختيار على الرغم من أن النبي قد أخبرهم بأن الله هو الذي بعث لهم طالوت ملكًا، فهم لا يبالون بأمر الله ويعترضون عليه، ويضطر النبي إلى أن يبين لهم مقومات هذا الاختيار وحيثياته،"وهو أنه على علم متين بأمور الحرب والقتال، وأنه أوتي بسطة في الجسم، وذلك يضفي عليه كثيرًا من المهابة والعظمة" [1] .

ويبدو أن القوم لم يقتنعوا بهذا التعليل مما ألجأ النبي إلى أن يخبرهم بأن الله قد جعل لهم علامة وآية تدل على أن هذا الاختيار من عند الله، وهي ذلك التابوت، ولم يكتف بذلك بل عقب عليه لما عرف من عنتهم وظلمهم وقلة إيمانهم بأنه يمثل لهم آية لهم إن كانوا مؤمنين، أما من لم يؤمن فلن يقوم له هذا ولا غيره دليلًا ولا آية لأنه مختوم على قلبه! وفي هذا المرحلة كان الحوار هو أساس البناء القصصي [2] .

ومع ذلك فإن القرآن الكريم لم يقل لنا إن بني إسرائيل أهل شقاق وعناد وعنت، ولكنه ترك كلامهم ينبئ عنهم، ويبين مقدار ما سببوه لأنبيائهم من عنت وإرهاق، وأن حوارهم مع أنبيائهم ناطق بأوصافهم، مظهر لطبيعتهم المتبجّحة، ومعدنهم الخبيث، ومثل هذا الحوار الناطق المصور أبلغ في الدلالة على طبيعة الشخصية من الوصف مهما دقّ [3] .

(1) الزمخشري، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، (بيروت، دار الكتاب العربي، 1407 هـ) ، 1/ 292

(2) الظواهري، مرجع سابق، ص 111

(3) دبّور، محمد عبد الله عبده، أسس بناء القصص من القرآن الكريم دراسة ادبية ونقديه، رسالة دكتوراه، (القاهرة: جامعة الأزهر، 1417 ه - 1996 م) ، ص 277 (بتصرف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت