فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 448

ونخلص من هذا أن الحوار هو وحده من بين أساليب القول الذي يعتمد عليه فنّ القصص، في خلق الحركة وتلوينها وتنويعها، فبالحوار تتبادل الشخصيات مواقفها، وتزايل أماكنها، وتبدل أحوالها وأشكالها [1] .

ونرى أيضًا أن حبكة الحوار، واختيار الكلمات المناسبة لكل حال يتلبس بها المتحاورون هو الذين يبعث الحياة في القصة، وهو الذي يجعل للكلمات دلالة ذاتية تستغني بها عن التشخيص والتمثيل، وعن تهيئة الجو المناسب للحركة المسرحيّة التي تنقل الأحداث وتجسّمها [2] .

وعلى الرغم من أن السمة الغالبة في القصة هنا هي التفصيل لا الإجمال، ولكنه لم يخل من مظنة الحذف الذي يأتي دليلًا على وجود جزء أو مرحلة من المحاورة يزيد في وصف بني إسرائيل بالمدافعة بالباطل، فالحذف هنا يحقق اندفاع الحوار نحو الغاية قفزًا مع ضمان إعطاء الانطباع للمتلقي بحقيقة ما وقع في المرحلة المحذوفة، وهو أنهم لم يقتنعوا إلا بهذا الدليل وهذه الآية. بل إن في تفصيلات القصة التي ذكرها المفسرون والمؤرخون ما يدلّ على حذف في التفصيلات أكثر من ذلك [3] .

وفضل القرآن هنا إنما يظهر أكثر ما يظهر في ملء تلك الفراغات التي تقع بين ثنايا الحوار، وذلك على الوجه الذي يجعل للقارئ منافذ ينفذ منها إلى القصة، ليملأ الفراغات التي تركت عن حكمة وتدبير، ليتحرك فيها بعقله وبخياله، وليكون في القصة موقف ما، يصله بها ويشدّه إليها.

وللقرآن في هذا المجال المثل الأعلى في الإمساك بزمام الموقف الحواري وإدارته على الوجه الذي يقيم منه معجزة قاهرة تخضع لها الأعناق [4] .

(1) الخطيب، مرجع سابق، ص 120 (بتصرف) .

(2) مرجع سابق، ص 144 (بتصرف) .

(3) الظواهري، مرجع سابق، ص 112

(4) الخطيب، مرجع سابق، ص 124 (بتصرف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت