الثالث: مرحلة الإعداد العسكري: وبين هذه المرحلة والتي قبلها مرحلة محذوفة، إذ أنه انتهى في السابقة إلى اختيار الملك عليهم وإقناعهم به، وبدأ هنا والجيش وراء طالوت في الطريق إلى ميدان المعركة!
وفي هذه المرحلة تدريب على الصبر، واختبارات عسكرية لقوة التحمّل، عبر اختبار النهر، وهذه المرحلة كانت سردًا كلها إلا مقالة طالوت لهم، وهي قراره بعدم شرب الماء إذا وصلوا للنهر.
ثم يحذف من هذا السرد جزء مهم عمدًا -على طريقة القفز إلى النتائج- استغلالًا للقدرات التخيّلية لدى المتلقّي، وهذا المحذوف هو خبر ورودهم هذا النهر، وتحققهم من صدق ما أخبر به هذا الملك، كان هذا يكفي ليردعهم عن مفارقة ما نهوا عنه، لأن من يعلم دونهم -وهو معهم- أنهم سيردون نهرًا، ويتحقق لهم صدقه، كان ينبغي أن يعلموا أنه صادق فيما وراء هذا، وهو بقية نبوءته عن النهر، ولكنهم لم يرتدعوا، إلا قليلًا منهم.
الرابع: المواجهة وبدء المعركة: وهي المرحلة الحاسمة في القصة، حيث يقف طالوت وجنوده الذين آمنوا معه واجتازوا الاختبار على استعداد للقتال، فإذا بعضهم يتخاذلون ويعلنون أنهم لا يستطيعون القتال، ولكن قليلًا ممن اطمأنت قلوبهم بالإيمان يثبتون.
وطبيعة الحوار في مرحلة الذروة الإيجاز والاقتضاب، وترك الفضول، وسرعة الإيقاع، ولهذا اختزلت المحاورة بين الفريقين اختزالًا كبيرًا جعلها تقتصر على عبارتين فقط؛ عبّرت الأولى عن نظرة الخالفين، والثانية عن عزيمة المؤمنين، ليتناسب الحوار مع طبيعة المرحلة.
ثم لم يدعنا الأسلوب القرآني مع الهواجس والظنون والألم الناشئ من مغبّة فعل هؤلاء الناكصين على أعقابهم، ولكنه يبادر بتجديد حيرتنا، ويقفز فوق المرحلة التالية كلّها مستعبدًا مشاهد العنف خارج المشهد المنظور، ويختصر المرحلة التالية كلها إلى خبر عابر سريع يتضمن الدعاء والتضرّع: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا