فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 770

لأنّ في ترك التقيّة إعزازا للدين وتشييدا له ولما روي أنّ مسيلمة الكذّاب أخذ

رجلين من المسلمين فقال لأحدهما: ما تقول في محمّد؟ قال: رسول الله [حقّا] قال

فما تقول في؟ قال [له] أنت أيضا فخلّاه وقال للآخر: ما تقول في محمّد؟ قال:

رسول الله قال: فما تقول في؟ قال أنا أصمّ فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه الأوّل فقتله

فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال: أمّا الأوّل فقد أخذ يرخصه الله وأمّا الثاني فقد

صدع بالحقّ فهنيئا له [1] .

وقيل بل فعل عمّار أفضل لأنّ التقيّة دين الله ومن ترك التقيّة فقتل فكأنّما هو قتل نفسه ومن قتل نفسه فقد قتل نفسا معصومة ويؤيّده قوله تعالى {وَلََا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [2] والرواية خبر واحد لا يتحقّق صحّته فلا تعارض ما ذكرناه.

4 -التبرّي من الأئمّة عليهم السّلام حرام

تباح التقيّة فيه ولو تركها وصبر كان أفضل ولذلك قال عليّ عليه السّلام في كلام له «أمّا السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة وأمّا البراءة فلا تتبرّؤا منّي فإنّي ولدت على الفطرة [وسبقت بالإسلام] وفي رواية أخرى وأمّا البراءة فمدّوا دونها الأعناق» [3] وذلك دليل [على] الأفضليّة

(1) المستدرك ج 2ص 378عن غوالي اللئالي.

(2) البقرة: 195.

(3) قال في النهج (ط عبده 1: 114) من كلام له عليه السّلام لأصحابه:

«أما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا وانه سيأمركم بسبي والبراءة مني أما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة وأما البراءة فلا تبرؤا مني، فإني ولدت على الفطرة، وسبقت الى الايمان والهجرة» .

وقال الشيخ المفيد في الإرشاد (ص 152) من معجزات أمير المؤمنين عليه السّلام ما استفاض عنه من قوله: «انكم ستعرضون من بعدي على سبي فسبوني، فإن عرض عليكم البراءة منى فلا تبرؤا مني فإني ولدت على الإسلام، فمن عرض عليه البراءة فليمدد عنقه فمن تبرأ منى فلا دنيا له ولا آخرة» . وكان الأمر في ذلك كما قال.

ورواه الشيخ الطوسي في أماليه (ص 131) عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «ستدعون إلى سبي فسبوني، وتدعون إلى البراءة مني، فمدوا الرقاب، فانى على الفطرة» .

وهناك روايات أخر تنفي ذلك:

ففي الكافي بإسناده عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لأبي عبد الله عليه السّلام: ان الناس يروون أن عليا قال على منبر الكوفة: «أيها الناس انكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة منى فلا تبرؤا منى» فقال عليه السّلام: ما أكثر ما يكذب الناس على على عليه السّلام، ثم قال: انما قال: «انكم ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني وانى لعلى دين محمد» ولم يقل: «ولا تبرؤا منى» فقال له السائل:

أرايت ان اختار القتل دون البراءة فقال: والله ما ذلك عليه وماله، الا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالإيمان فأنزل الله عز وجل فيه {إِلََّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ} فقال له النبي صلّى الله عليه وآله عندها: يا عمار: ان عادوا فعد، فقد انزل الله عذرك وأمرك أن تعود ان عادوا.

ورواه العياشي في تفسيره ج 2ص 271عن معمر بن يحيى وبعض ألفاظه مختلف.

وقال ابن أبى الحديد: (شرح النهج ج 1ص 462) وروى صاحب كتاب الغارات عن يوسف بن كليب المسعودي عن يحيى بن سليمان العبدي عن ابى مريم الأنصاري عن محمد بن على الباقر عليه السّلام قال: خطب على عليه السّلام على منبر الكوفة فقال «سيعرض عليكم سبى وستذبحون عليه، فان عرض عليكم سبي فسبوني وان عرض عليكم البراءة مني فإني على دين محمد صلّى الله عليه وآله» ولم يقل «فلا تبرؤا منى» .

فكما ترى هذه الروايات واردة على المشهورة المستفيضة عنه «اما السب فسبوني واما البراءة فلا تبرؤا منى» تنفى قوله عليه السّلام بذلك والحق أن المشهورة المستفيضة بالفاظها المختلفة «أما السب فسبوني واما البراءة فلا تبرؤا منى» «ستعرضون على سبي فسبوني فإن عرض عليكم البراءة منى فلا تبرؤا منى» «ستدعون إلى سبي فسبوني ثم تدعون إلى البراءة مني فمدوا الأعناق» كلام متصل يستدعي صدره ذيله ويستلزم ذيله صدره ويترتب آخره على أوله للتفصيل القاطع للشركة فلو صح انه قد قال عليه السّلام:

«اما السب فسبوني واما البراءة» أو «ستدعون إلى سبي فسبوني فإن عرض عليكم البراءة مني» لا يصلح بعده الا أن يقول: «فلا تبرؤا منى» للزوم التقابل بين طرفي التفصيل من حيث الحكم ولو كان حكم البراءة عنده عليه السلام حكم السب لم يأت بالتفصيل بين البراءة والسب.

لكنك قد عرفت فيما سبق أن كلامه عليه الصلاة والسلام ذلك متوهم عليه ومنشأ التوهم لذلك عدم براءة حواريه وخواصه عنه عليه السلام مع ما قاسوه ولاقوه في ذلك فراجع.

أو كون النهي تنزيهيا كما احتمله صاحب الوسائل في توجيه رواية مسعدة بن صدقة أو كون المراد بالتبري التبري القلبي ليناسب التعليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت