فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 770

السابعة {الطَّلََاقُ مَرَّتََانِ فَإِمْسََاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسََانٍ} [1] .

قالت الشافعيّة المراد التطليق الرّجعيّ اثنان لما روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله سئل أين الثالثة فقال عليه السّلام { «أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسََانٍ» } وقال أصحابنا والحنفيّة [2] المراد

(1) البقرة: 229.

(2) الا ان الحنفية قائلون بأنه إذا طلقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثا دفعة واحدة أو متفرقة فعل محرما وعصى وأثم، الا أن ذلك واقع، وبه قال مالك أيضا والإمامية قائلون بعدم الوقوع كما سيصرح به المصنف رضوان الله عليه.

وعلى كل، فكفانا كتاب الله العزيز وقد قال: الطلاق مرتان الى آخر الآية إذ لا يفهم منه الا وقوع الطلاق مرة بعد مرة، وهذا يقتضي أن تكون تطليقتين متفرقتين لأنهما ان كانا مجتمعتين لم يكن مرتين، وتعريف الطلاق بالألف واللام أيضا لبيان أن الطلاق المشروع مرتان، فما جاء على هذا فليس بمشروع.

ثم قوله سبحانه في آخر الآية {فَإِنْ طَلَّقَهََا فَلََا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتََّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} كالصريح في أن الطلاق الذي يمنع عن الرجوع هو الثالث الواقع بعد المرتين اللتين كان الزوج فيهما مخيرا بين الإمساك والتسريح بإحسان، أي تركها وشأنها مع الإحسان إليها حتى في هذه المرحلة الأخيرة من حياتهما الزوجية.

قال الزمخشري في تفسير الآية ص 278ج 1من الكشاف: التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية، ولكن التكرير كقوله {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي كرة بعد كرة، لا كرتين اثنتين انتهى ما أردنا نقله.

أقول: ولأجل ذلك جعل النبي صلّى الله عليه وآله خلاف ذلك تلاعبا بكتاب الله ففي سنن النسائي ج 6ص 142:

أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب قال: أخبرني مخرمة عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله عن رجل طلق امرءته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله؟.

قال السندي في شرحه «أيلعب بكتاب الله» يحتمل بناء الفاعل أو المفعول، أى يستهزء به، والمراد به قوله تعالى {الطَّلََاقُ مَرَّتََانِ} الى قوله {وَلََا تَتَّخِذُوا آيََاتِ اللََّهِ هُزُوًا} فان معناه التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال مرة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ومثله قوله تعالى {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} اى كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين.

ثم بين معنى الإمساك بمعروف، ثم قال: وقوله {لََا تَتَّخِذُوا آيََاتِ اللََّهِ هُزُوًا} أى بالجمع بين الثلاث، والزيادة عليها، فكلاهما لعب واستهزاء، والحد والعزيمة ان يطلق واحدا، وان أراد الثلاث ينبغي أن يفرق.

ثم قال: «ألا أقتله؟» لان اللعب بكتاب الله كفر، ولم يرد ان المقصود الزجر والتوبيخ وليس المراد حقيقة الكلام.

ثم قال: ثم اختلفوا في الجمع بين الثلاث، فقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والليث: هو بدعة، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور: ليس بحرام لكن الاولى التفريق، وظاهر الحديث التحريم، والجمهور على أنه إذا جمع بين الثلاث يقع الثلاث ولا عبرة بخلاف ذلك عندهم أصلا انتهى ما أردنا نقله.

وعلى أى، فالقرآن الكريم ناطق بعدم وقوع الثلاث كما عرفت، وإلزام الزوج بما ألزم به نفسه على حد زعمهم اجتهاد في مقابلة النص.

وقد أجازه الرسول العزيز أيضا واحدة ففي بداية المجتهد ج 2ص 61: انه روى ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة زوجه ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله صلّى الله عليه وآله كيف طلقتها؟ قال طلقتها ثلاثا في مجلس واحد، قال: انما تلك طلقة واحدة فارتجعها.

ونقل قريبا منه في سبل السلام ج 3ص 174وقال: قد حققنا في ثمرات النظر في علم أهل الأثر، وفي إرشاد النقاد الى تيسير الاجتهاد عدم صحة القدح في محمد بن إسحاق بما يجرح روايته، ونقله الجصاص أيضا ج 1ص 459، ونقله أيضا في الدر المنثور ج 1 ص 279عن البيهقي عن ابن عباس وقال الشوكانى في نيل الأوطار ص 256ج 6: أنه أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه.

ونقل المرحوم العلامة آية الله السيد شرف الدين طاب ثراه في ص 146من كتابه النص والاجتهاد عن مجلة المنار (المجلد الرابع ص 210) : ومن قضاء النبي بخلافه ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: طلق ركانة زوجته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلّى الله عليه وآله كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا، قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال صلّى الله عليه وآله: فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت وذكر في ذيله انه ذكره ابن إسحاق في ص 191من الجزء الثاني من سيرته.

وفي الترمذي الرقم 1177وابن ماجه الرقم 2051وأبو داود الرقم 2206و 2208القصة بنحو آخر، واللفظ كما جمعه في تيسير الوصول ج 3ص 141: وعن عبد الله بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله انى طلقت امرأتي البتة فقال ما أردت بها؟ قلت واحدة، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة؟ قلت: والله ما أردت بها إلا واحدة، فقال: هو ما أردت فردها اليه، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان، أخرجه أبو داود والترمذي.

قلت: وليس في الترمذي وكذا في ابن ماجة قصة الطلاق الثاني والثالث.

واستدل به على أنه لو أراد الثلاث لوقعت، وأجيب بأن الثابت في رواية في أنه صلى الله عليه وآله قال له: ارجعها بعد أن قال له انه طلقها ثلاثا كما قد عرفت وعرفت تصحيحه بهذا الوجه.

وأما باللفظ الأخر ففي سنده الزبير بن سعيد الهاشمي وقد ضعفه غير واحد، ومع ذلك لا صراحة فيه على وقوع الثلاث عند ارادته.

والثابت عند المحدثين من أهل السنة ان النبي صلّى الله عليه وآله لم يجزه إلا واحدة ومضى على ذلك في عهد أبى بكر وثلاث سنين من خلافة عمر بن الخطاب، ثم الزم الناس عليه ثلاثا لما رأى تتابع الناس عليه، فقال: أجيزوه عليهم، فأقره عمر ثلاثا لان الناس قد التزموا به، عقوبة لهم بعد أن كان بإجماع المسلمين لا يقع إلا واحدة، في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله وشطرا من الزمن بعده.

فعن ابن عباس من عدة طرق كلها صحيحة قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب ان الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 10ص 70، والدر المنثور ج 1ص 279، ونقله العلامة آية الله السيد شرف الدين طاب ثراه في النص والاجتهاد ص 146عن الحاكم في مستدركة مصرحا بصحته بشرط الشيخين والذهبي في تلخيص المستدرك معترفا بصحته بشرطهما ص 196من الجزء الثاني كتاب الطلاق، وكذا عن المسند ص 314ج 1والبيهقي ص 336 من الجزء السابع من سننه والقرطبي ص 130ج 3من تفسيره.

قلت: ونقله أيضا في سبل السلام ج 3ص 173ثم قال (في سبل السلام) وقد استشكل أنه كيف يصح من عمر مخالفة ما كان في عصره صلّى الله عليه وآله ثم في عصر أبى بكر ثم في أول أيامه، وظاهر كلام ابن عباس أنه كان الإجماع على ذلك، ثم ذكر أجوبة ستة وضعفها كلها ثم قال: والأقرب ان هذا رأى من عمر ترجح له كما منع من متعة الحج وغيرها، وكل أحد يؤخذ ويترك غير رسول الله صلّى الله عليه وآله وكونه خالف ما كان على عهده صلّى الله عليه وآله فهو نظير متعة الحج بلا ريب والتكلفات في الأجوبة ليوافق ما ثبت في عصر النبوة لا يليق فقد ثبت عن عمر اجتهادات يعسر تطبيقها على ذلك نعم ان أمكن التطبيق على وجه صحيح فهو المراد.

وعن طاوس قال: ان أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله وأبى بكر وثلاثا من أمارة عمر؟ فقال ابن عباس نعم. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 10ص 71، والدر المنثور ج 1ص 279، وأحكام القرآن للجصاص ج 1ص 459، وأبا داود الرقم 2200، وسنن النسائي ج 6ص 145عند عنوانه باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة.

وذكر السندي في شرحه: أن هذا الحديث بظاهره يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة بل تقع واحدة فأشار المصنف في الترجمة إلى تأويله بأن يحمل الثلاث في الحديث على الثلاث المتفرقة لغير المدخول بها.

ثم قال بعيد ذلك: وعلى هذا اندفع الاشكال عن الجمهور الى أن قال وهذا محمل دقيق لهذا الحديث الا أنه لا يوافق ما جاء في هذا الحديث أن عمر بعد ذلك أمضى الثلاث، إذ هو ما أمضى الثلاث المتفرقة لغير المدخول بها، بل أمضى الثلاث دفعة للمدخول بها وغير المدخول بها، فليتأمل، ثم قال: فالوجه في الجواب أنه منسوخ، وقد قررناه في حاشية مسلم وحاشية أبي داود.

قلت: ويضعف ما ذكره من النسخ ما ذكره في سبل السلام عند الكلام في الأجوبة الستة فقال في الجواب بالنسخ: أنه يضعفه قول عمر: ان الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة إلخ، فإنه واضح في انه رأى محض لا سنة فيه، ثم قال: وما في بعض ألفاظه عند مسلم انه قال ابن عباس لأبي الصهباء: لما تتابع الناس في الطلاق في عهد عمر فأجازه عليهم.

قلت: ولعله إشارة الى ما أخرجه مسلم في صحيحه بشرح النووي ج 10ص 72عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم تكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وأبى بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.

قال النووي في شرحه: كانت لهم فيه أناة: هو بفتح الهمزة أى مهملة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة و «تتابع» هو بياء مثناة من تحت بين الالف والعين هذه رواية الجمهور وضبطه بعضهم بالموحدة، وهما بمعنى، ومعناه أكثروا منه وأسرعوا إليه، لكن بالمثناة إنما يستعمل في الشر، وبالموحدة يستعمل في الخير والشر. فالمثناة هنا أجود.

وقوله «هات من هناتك» هو بكسر التاء من هات والمراد بهناتك إخبارك وأمورك المستغربة.

والحاصل أن النص القرآنى الصريح والسنة الثابتة عند المحدثين عن النبي صلى الله عليه وآله وإجماع المسلمين المتحقق في زمانه وشطرا من الزمن بعد وفاته على أنه لا يتحقق إلا واحدة.

قال ابن القيم الجوزية في ص 4644ج 3من أعلام الموقعين: ان قوله تعالى:

{الطَّلََاقُ مَرَّتََانِ} لا يفهم منه الا وقوع الطلاق مرّة بعد مرة، وأيد ذلك بقوله تعالى {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} وبقول الرسول صلّى الله عليه وآله «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» فالعرف واللغة لا يفهمان من ذلك الا التعدد ووقوع الفعل مرة بعد اخرى، وبعد أن ذكر أن الآية لا تدل على البينونة بمجرد قول الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثا قال:

فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله والصحابة كلهم في عصره، وهم يزيدون على الالف قطعا على هذا المذهب، ثم استعرض جماعة من التابعين وتابعي التابعين يفتون بوقوعه واحدة.

وقد أطال ابن القيم في إعلام الموقعين القول في المسئلة، والأحاديث فيها والدلائل وأوضح معنى قوله تعالى {الطَّلََاقُ مَرَّتََانِ} بالآيات والأحاديث وهو أن معناها أنه يكون مرة بعد مرة.

ثم قال: وما كان مرة لم يملك المكلف إيقاع مراته كلها جملة كاللعان، فإنه لو قال أشهد بالله أربع شهادات انى لمن الصادقين كان مرة واحدة، ولو حلف في القسامة وقال:

اقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قالته كان ذلك يمينا واحدة، ولو قال المقر بالزنا: أنا أقر أربع مرات أنى زنيت، كان مرة واحدة، فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارا واحدا، ثم ذكر آيات وأحاديث أخرى كالاستيذان ثلاث مرات.

ثم ذكر أن الصحابة كانوا مجمعين على أنه لا يقع الطلاق بالثلاث مجتمعة إلا واحدة من أول الإسلام إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وان هذا الإجماع لم ينقضه إجماع بعد.

ثم سمى بعض من أفتى من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأن الفتوى بذلك تتابعت في كل عصر وكان من أتباع الأئمة من أفتى بذلك فبعد ما ذكر أتباع التابعين قال:

فأفتى به داود بن على وأكثر أصحابه وأفتى به بعض الحنفية، وأفتى به بعض أتباع أحمد.

ثم لما كان ظاهر قضاء عمر في ذلك تلاعبا بكتاب الله وسنة نبيه، بل وإجماع المسلمين فتأوله ابن القيم الجوزية فبين أن اجازة عمر الثلاث لما تتابع الناس في الطلاق تأديب لهم على مخالفة ما شرعه الله في الطلاق من كونه يوقع المرة بعد المرة، ليرجعوا إلى السنة ووجه ذلك بالنسبة الى ذلك الوقت وذكر روايات في تأييده.

ثم بين أن المصلحة الان تقتضي الرجوع إلى الكتاب، وما مضت به السنة في عهد النبي صلّى الله عليه وآله والخليفة الأول، فرارا من مفاسد التحليل التي هي من أكبر العار على المسلمين الى آخر ما قال.

ولابن القيم أيضا بيان مبسوط في المسئلة من ص 6351من كتابه زاد المعاد ج 4، من أراد فليراجعه، وفيه: وأمير المؤمنين عمر رضى الله عنه لم يقل لهم: ان هذا عن رسول الله وانما هو رأى رآه مصلحة للأمة يكفهم بها عن التسارع إلى إلقاء الثلاث ولهذا قال: فلو أنا أمضيناه عليهم، وفي رواية: فاجيزوهن عليهم، وساق الكلام الى أن قال: فهذا نظر أمير المؤمنين رضى الله عنه، ومن معه من الصحابة، لا انه رضى الله عنه غير أحكام الله وجعل حلالها حراما.

وللشوكانى في نيل الأوطار ج 6ص 248244تفصيل مقال من أراد فليراجعه وقال في فذلكة البحث. والحاصل ان القائلين بالتتابع قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس، وكلها غير خارجة عن دائرة التعسف، والحق أحق بالاتباع، فان كانت تلك المحاماة لأجل مذهب الاسلاف فهي احقر وأقل من ان تؤثر على السنة المطهرة، وان كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من رسول الله صلّى الله عليه وآله.

ثم اى مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى.

انتهى.

ونقل في المنار ج 2ص 385أن له اى الشوكانى رسالة خاصة في تفنيد أدلة الجمهور واجوبتهم عن الحديث الصحيح، قال: ولشيخ الإسلام ابن تيمية مؤلف خاص فيها.

وقال في المنار أيضا ج 2ص 387عند ذكره ان أكثر القضاة مع اطلاعهم على النصوص في كتب الحديث لا يبالون بها لان العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله.

الا أن محاكم مصر الشرعية قد خالفت مذهب الحنفية بعد استقلال البلاد دون الدولة العثمانية في كثير من أحكام الزوجية ومنها هذه المسئلة.

ولقد أنصف الشيخ الفقيد الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر في المسئلة، ففي رسالة الإسلام العدد الأول من السنة الحادية عشر ص 108:

«لا إنسي أنى درست المقارنة بين المذاهب بكلية الشرق، فكنت أعرض إيراد المذاهب في المسئلة الواحدة، وأبرز من بينها مذهب الشيعة، وكثيرا ما كنت أرجح مذهبهم خضوعا لقوة الدليل، ولا إنسي أنى كنت أفتى في كثير من المسائل بمذهب الشيعة وأخص منها بالذكر ما تضمنه قانون الأحوال الشخصية الأخير، ومنه على سبيل المثال المسائل الاتية.

أولا: الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فإنه يقع في المذاهب السنية ثلاثا، ولكنه في مذهب الشيعة يقع واحدة رجعية، وقد رأى القانون العمل به، وأصبحت الفتوى بمذهب أهل السنة لا يقام لها وزن في نظر القضاة الشرعي السنة؟؟؟؟.

ثانيا: رأى قانون الأحوال الشخصية في تنظيمه الأخير أن الطلاق المعلق منه ما يقع ومنه ما لا يقع، تبعا لقصد التطليق أو قصد التهديد، ولكن مذهب الشيعة يرى أن التعليق مطلقا قصد به التهديد أو التطليق لا يقع به الطلاق، وقد رجحت هذا الرأي وكثيرا ما أفتيت به، وكثيرا ما أذعته في أحاديثي المتعلقة بالطلاق وأجوبة السائلين عن إيقاع الطلاق.

والباحث المستوعب سيجد كثيرا في مذهب الشيعة ما يقوى دليله، ويلتئم مع أهداف الشريعة من إصلاح الأسرة والمجتمع ويدفعه إلى الأخذ به، والإرشاد إليه. انتهى.

وقال الشيخ شلتوت في كتابه الإسلام عقيدة وشريعة ص 186:

واذن فالطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع إلا واحدة، وكما رسم الإسلام في الطلاق التفريق على هذا الوجه وجعل الجمع لغوا لا يقع به شيء كذلك رسم فيه أن يكون منجزا أى موقعا بالفعل ليس معلقا على شيء بفعل منه أو منها، كأن يقول: ان فعلت كذا فأنت طالق.

ثم قال: وكذلك رسم فيه أن لا يتخذه يمينا على شيء يفعله أولا يفعله، كأن يقول:

على الطلاق أن هذه السلعة بكذا، أو: امرأتي طالق إذا لم تكن السلعة من نوع كذا.

وهكذا من الايمان التي تجري بين الناس وهم في أسواقهم ومجتمعاتهم دون أن يكون لزوجاتهم شأن بها.

وكذلك رسم أن يكون الطلاق في طهر لم يمسها فيه، فان طلقها في طهر مسها فيه فإنه يكون لغوا ولا تأثير له على الحياة الزوجية، وكذلك إذا طلقها في غير طهر وهكذا وضع الإسلام للطلاق الذي مع قيودا بالنظر الى لفظه وبالنظر الى أهلية الزوج، وبالنظر الى حالة الزوجة؟؟؟؟؟ ضاقت الدائرة التي يقع فيها الطلاق ويكون له تأثير على الحياة الزوجية التي استقرت وأخذت حظها من الوجود.

وفي ص 310من كتاب الفتاوى له (للشيخ شلتوت) عند ذكره فتاوى المفتين للمقلدين وضررها:

هذه ناحية، أما الناحية الأخرى، وهي ناحية الفتوى بوقوع الطلاق أو الحكم بوقوعه فقد جرينا نحن المفتين والقضاة على الإفتاء أو الحكم بوقوع الطلاق على مذاهب معينة قد تشهد الحجة القوية لغيرها في عدم وقوعه والرأي أن لا نفتي ولا نحكم بوقوع طلاق إلا إذا كان مجمعا من الأئمة على وقوعه، فإن الحياة الزوجية ثابتة بيقين، وما يثبت لا يرفع الا بيقين مثله، ولا يقين في طلاق مختلف فيه.

وعلى هذا فلا نحكم بوقوع الطلاق إلا إذا كان مرة مرة، وكان منجزا مقصودا للتفريق في طهر لم يقع فيه طلاق ولا إفضاء وكان الزوج بحاله تكمل فيها مسئوليته. وبهذا لا نحكم بوقوع الثلاث دفعة واحدة إذا قالت: أنت طالق ثلاثا، ولا نحكم بوقوع الطلاق إذا كان معلقا كأن يقول: ان فعلت كذا فأنت طالق، وهو لا يحب الطلاق ولا يريده.

ولا بوقوعه في قول اللاعب الهازل مع زوجه أو غيرها أنت طالق أو هي طالق، ولا في قول البائع علىّ الطلاق أن هذه السلعة بكذا. أو امرأتي طالق إذا لم تكن السلعة من نوع كذا أو علىّ الطلاق لا بد أن تأكل أو تفعل كذا، ولا يقع والمرأة في حيض أو نفاس أو طهر اتصل بها فيه.

ولو أوقع عليها طلاقا في طهر لم يتصل بها فيه ثم أوقع عليها طلقة أخرى في الطهر نفسه لا تقع تلك الطلقة الثانية، وكذلك لا يقع طلاق وهو في حالة سكر أو غضب يملك عليه اختياره.

ثم قال: والذي يؤسف له انه على الرغم من أن قانون المحاكم الشرعية الحالي ألغى وقوع الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث وجعله واحدة رجعية، وألغى وقوع الطلاق المعلق إذا قصد به الحمل على شيء أو تركه، فان أكثر العلماء أو أكثر المتصدين لفتوى الناس لا يفتون الا بمذاهبهم الخاصة التي تعلموها ودانوا بها فضلا عن الحالات التي لم يأخذ بها القانون (وترى المذاهب الأخرى عدم الوقوع فيها تضييقا لدائرة الطلاق بقدر الإمكان) .

وكانت النتيجة لموقف هؤلاء المفتين أن يأخذ المطلق الفتوى بالوقوع عن لسانهم ويذهب مؤمنا لها إلى المأذون فيحكي أنه طلق امرأته ثلاثا فيبادر إلى إخراج قيمة الطلاق وفيها: حضر فلان وأقر بأنه طلق زوجته ثلاثا مكملا للثلاث، وبهذه الورقة الرسمية تبين الزوجة من زوجها، ويقع الزوجان في ارتباك، وتتمثل أمامها مشاهد التشرد المولم للأبناء، وقد أدركهما سوء الحظ بالتزام الإفتاء على المذهب المعين، ثم ان هذه الورقة الرسمية قد لا يكون لها واقع صحيح.

وقال أيضا في ص 313من الفتاوى الفقهية:

شرع الإسلام الطلاق حينما تشتد الخصومة بين الزوجين وتسوء بينهما العشرة إلى حد لا تجدي فيه محاولة الإصلاح، وبه تسير الحياة الزوجية نارا تلتهم مزايا الزواج الاجتماعية من السكن والمودة والرحمة والتعاون على تكوين أسره يصان فيها الحقوق وتترعرع في احضانها الأطفال الذين يكونون بعد رجالا عالمين في الحياة.

ولهذا شرع الإسلام وقد عرف الناس الطلاق من قديم غير أنهم كانوا بأهوائهم وبطغيانهم على المرأة وأذلالها كثيرا ما يقصدون به إيذاءها واضرارها، فكان الرجل يطلق زوجتها ثم يراجعها قبل انقضاء العدة، ثم يطلقها الى غير حد: تطليق فمراجعة تطليق فمراجعة، وهكذا، لا تتركها تتزوج غيره فتستريح، ولا يثوب الى رشده فيحسن عشرتها فتستريح وانما يتخذها ألعوبة بيده يطلقها متى شاء على حسب ما يهوى ويشتهي.

فأنزل الله انقاذا للمرءة من هذا السوء قوله تعالى {الطَّلََاقُ مَرَّتََانِ فَإِمْسََاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسََانٍ} والمعنى أن الطلاق المشروع عند تحقق ما يبيح الطلاق أن يكون على مرتين مرة بعد مرة اى دفعة بعد دفعة.

فإذا ما طلق الرجل المرة الأولى أو الثانية كان عليه اما ردها الى عصمته مع إحسان عشرتها فتستمر الحياة بينهما طيبة سعيدة، وذلك هو الإمساك بالمعروف، واما تركها حتى تنقضي عدتها وتنقطع علاقتها به ويزول سلطانه عليها فتتزوج غيره ان شاءت وذلك هو التسريح بالإحسان.

فإن عاد الزوج بعد أن راجعها من الطلاق الثاني وطلقها ثالثة حرمت عليه، ولا يملك مراجعتها إلا إذا تزوجت بغيره زواجا صحيحا مقصودا به ما يقصد بالزواج وهو العشرة الدائمة بالسكن والمودة، لا يجدى في ذلك ما اخترعه بعض الناس من الزواج بغيره على قصد التحليل، فان هذا منكر واحتيال لا تحل به للاول، وقد لعن الرسول صلّى الله عليه وآله فاعله وسماه التيس المستعار.

وقد تضمن ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية { «فَإِنْ طَلَّقَهََا فَلََا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتََّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» } ومن هذا يتبين ان الطلاق الثلاث مرة واحدة ليس مشروعا، وأن الطلاق المشروع انما هي الطلقة الاولى والثانية، أما الطلقة الثالثة فإنه لا يملك مراجعتها ولا تحل له الا إذا تزوجت غيره زواجا غير مقصود منه التحليل ثم يطلقها ذلك الغير أو يموت عنها وتمضي عدتها منه وعندئذ فقط تحل لزوجها الأول بعقد جديد ومهر جديد، وهذا هو معنى الآية وما بعدها. انتهى.

والمقصود أن أعلام أهل السنة المتأخرين أيضا تنبهوا لما هو الحق في المسئلة وأن الطلاق بلفظ الثلاث لا يقع إلا واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت