قال أبو علي الدقاق - رحمه الله -: إنما قال:"ثلثا دينه"لأن التواضع يكون بثلاثة أشياء: بلسانه، وبدنه، وقلبه. فإذا تواضع له بلسانه وبدنه ولم يعتقد له العظمة بقلبه .. ذهب ثلثا دِينه، فإن اعتقدها بقلبه أيضًا .. ذهب كل دِينه.
لهذا قيل: إذا عظم الرب في القلب .. صغر الخلق في العين. ومتى عرفت أنه معز .. لم تطلب العز إلا منه، ولا يكون العز إلا في طاعته.
(فائدة)
ولعل ختم الآية الأولى بـ {يَفْقَهُونَ} ، والثانية بـ {لَا يَعْلَمُونَ} للتفنن المعتبر في البلاغة، مع أن في الأول بيان عدم كياستهم وفهمهم، وفي الثاني بيان حماقتهم وجهلهم.
وفي"برهان القرآن": الأول متصل بقوله: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، وفيه غموض يحتاج إلى فطنة، والمنافق لا فطنة له، والثاني متصل بقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أن الله معز أوليائه ومذل أعدائه.
وعبارة"فتح الرحمن": ختم هنا بـ {لَا يَعْلَمُونَ} ، وفيما مر بـ {لَا يَفْقَهُونَ} ، لأن الأول متصل بقوله: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، وفي معرفتها غموض يحتاج إلى فطنة وفقه، فناسب نفي الفقه في الأول، والثاني متصل بقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} وفي معرفتها غموض زائد يحتاج إلى علم، فناسب نفي العلم عنهم.
فالمعنى: لا يعلمون أن الله معز أوليائه ومذل أعدائه. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...