إذا أقحم المجاهد نفسه فيما يغلب على ظنه أن فيه هلاكه فلا يخلو الحال: ... أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين ونكاية بالعدو، أو لا يكون من ذلك شيء.
فأما الحالة الأولى: وهي أن يكون في ذلك مصلحة للمسلمين ونكاية بالعدو.
فعامة الفقهاء: على جواز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه في هذه الحالة.
واستدلوا بما يلي: بحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه، فقال: من يردهم عنا وله الجنة، أو رفيقي في الجنة، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتلوا السبعة .. ) مسلم. ووجه الدلالة: أن مقابلة الواحد للجماعة فيه هلاكه، إلا أنه يجوز إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين كرد العدو عن المسلمين، كما في الحديث السابق: (من يردهم عنا وله الجنة) .
قال في زاد المعاد (3/ 211) : (يجوز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر، وغيره) ، وهذا إذا كان فيه مصلحة للمسلمين وتأثيرا في العدو، ونكاية بهم.
وفي قول عند المالكية: لا يجوز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه ولو كان في ذلك مصلحة، أو نكاية بالعدو. واستدلوا: بعموم قوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] . ولعل هذا القول للمالكية محمول على عدم النفع للمسلمين، أو عدم النكاية بالعدو في إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، أو كونه يقاتل لإظهار شجاعته.