-وبهذا يتقرر أن للمجاهد في سبيل الله إقحام نفسه فيما فيه هلاكه إذا كان في ذلك نفع للمسلمين ونكاية بالعدو.
أما الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك نفع للمسلمين ولا نكاية بالعدو من إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، فإن عامة الفقهاء قالوا: لا يجوز للمجاهد أن يقحم نفسه فيما فيه هلاكه.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] .
ولأنه لا يحصل من إقحام المجاهد نفسه في الهلاك شيء من إعزاز الدين، ولكنه يقتل فقط، فيتلف نفسه من غير منفعة للمسلمين، ولا نكاية بالعدو.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز أن يقحم المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه، وإن لم يكن في ذلك منفعة ولا نكاية بالعدو. بشرط إخلاص النية في طلب الشهادة.
الترجيح:
الذي يظهر أن القول الأول هو الأقرب إلى الرجحان، وهو عدم جواز إقحام المجاهد نفسه فيما فيه هلاكه؛ لأن فيه إهلاك نفسه دون منفعة، ولا نكاية بالعدو وربما هذا التصرف يؤدي إلى وهن المسلمين بفقدهم جنودهم دون فائدة. والله أعلم.
ذهب الفقهاء: إلى أن الأولى للمجاهد عدم الاستسلام للأسر حتى يفوز بالشهادة، ويحصل له الثواب العظيم، والدرجة الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب وفتنتهم له، فإن فعل واستسلم للأسر جاز له ذلك.
وذلك لما رواه البخاري في حديث طويل، وفيه: أن عاصما ومن معه أخذوا بالعزيمة ولم يستسلموا للكفار، وخبيب ومن معه أخذوا بالرخصة في جواز الاستسلام وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم.
وعلى هذا يجوز للمجاهد في سبيل الله أن يقاتل العدو ولا يستسلم حتى