المرحلة الثانية: الأمر بقتال من قاتل المسلمين من الكفار والكف عمن كف عن قتالهم، ويمكن أن تسمى مرحلة الدفاع [1] .
ويدل على هذه المرحلة: قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] ، وقوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا} [النساء: 90] .
المرحلة الثالثة: الأمر بقتال جميع الكفار، وابتداؤهم بالقتال أينما كانوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويخضعوا لحكم الإسلام، ويدخلوا في حماية المسلمين [2] . ويدل على هذه المرحلة
(1) توقف عند هذه المرحلة بعض من كتب عن الجهاد وخاصة في هذا العصر، وجعلوها المرحلة النهائية للجهاد ومن ثم قالوا: إن الجهاد للدفاع فقط ومنهم على سبيل المثال الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابه السياسة الشرعية ص 74، وسيد سابق في كتابه فقه السنة (3/ 119) ، وظافر القاسمي في كتابه الجهاد والحقوق الدولية العامة ص 172، والبوطي في كتابه الجهاد في الإسلام. وغيرهم واستدلوا بأدلة هذه المرحلة.
وقد رد العلماء على من حصر الجهاد في سبيل الله على الدفاع فقط. انظر على سبيل المثال في ظلال القرآن للشيخ سيد قطب رحمه الله عند تفسير سورة التوبة، والشيخ صالح اللحيدان في كتاب الجهاد في الإسلام بين الطلب والدفاع، وعبد الملك البراك في كتابه ردود على أباطيل وشبهات حول الجهاد وغيرهم كثير لا يتسع المجال لبسط ردودهم هنا.
ويمكن مناقشة استدلال من حصر الجهاد على الدفاع فقط: بأن هذه مرحلة من مراحل تشريع الجهاد أمر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتال من قاتله، والكف عمن كف عنه، ثم جاءت المرحلة الأخيرة بعد نزول سورة براءة بقتال الكفار مطلقا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ويخضعوا لحكم الإسلام جاء في الصارم المسلول لابن تيمية عن الزهري (كانت سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تنزل براءة يقاتل من قاتله ومن كف يده عاهده وكف عنه) ص 137. وما نذكره في المرحلة الأخيرة من مراحل تشريع الجهاد من الأدلة من الكتاب والسنة واتفاق الفقهاء على أن الجهاد ليس للدفاع فقط ما يكفي على رد مثل هذا القول.
(2) وقد اتفق الفقهاء أن الجزية تقبل من أهل الكتاب دون غيرهم. واختلفوا في غيرهم فالحنفية قالوا: تؤخذ الجزية من جميع الكفار إلا مشركي العرب فلا تقبل منهم، والمالكية قالوا: تؤخذ من جميع الكفار إلا كفار قريش، وقال الشافعية، والحنابلة: تؤخذ من أهل الكتاب دون غيرهم، وقال ابن حزم: تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس.