فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 349

والعدل بالظلم، والحق بالباطل، واللذة بالألم، ليست هي الغاية، ولا إليها المنتهى، إنما هي مزرعة لحياة أخرى هي خير وأبقى. تجزى فيها كل نفس بما كسبت، وتخلد فيما عملت، فاستراح المؤمن بذلك من التساؤل العريض عن الحياة والموت، وما سرهما؟ وماذا بعدهما؟ استراح المؤمن من ذلك، حين علم وأيقن أنه خلق للخلود الأبدي، وإنما ينقله الموت من طور إلى طور، أو من دار إلى دار.

وعرف المؤمن أنه لم يخلق في هذه الحياة عبثًا، ولم يترك سدى، فبعث الله إليه رسله بالبينات، هداة ومعلمين، مبشرين ومنذرين، ليهتدي الناس إلى الحق، ويستبينوا معالم الطريق، ويعرفوا ما يرضي الله فيتبعوه، وما يسخطه فيتقوه، وليقيموا بين الناس موازين القسط، ويحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، وليكونوا أمثلة رفيعة -تحس وترى- يتخذها الناس أسوة حسنة لصوالح الأعمال، ومكارم الأخلاق.

وعرف المؤمن أنه ليس غريبًا على الكون الكبير من حوله، ولا معزولًا. عنه، إنه بإيمانه لم يعد وحده. إن الكون كله معه، ففطرة هذا الكون هي الإيمان. هي التسبيح والسجود للرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليمًا غفورًا) (الإسراء: 44) .

إن هذه المكاسب الهائلة التي غنمها المؤمن، واجتنى ثمارها، وقطوفها الدانية، لا يقدرها حق قدرها إلا من حرمها، أو تأمل بعين بصيرته حال من حرمها.

فالجاحدون بالله، أو المرتابون فيه، وفي لقائه يوم الحساب، يحيون حياة لا طعم لها ولا معنى. حياة كلها قلق وحيرة، كلها علامات استفهام. كلها أسئلة لا تجد لها عندهم جوابًا.

إنهم لا يوقنون بشيء يطمئنون إليه. ويستريحون له في قضية وجودهم أنفسهم، ووجود الكون كله من حولهم. من أين جاءوا؟ ومن جاء بهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت