أمره، واجتناب نهيه، معتقدًا أن في ذلك سعادة أولاه وأخراه، وخيره وخير البشرية جميعًا. فهو عند حدود الله وقاف. وهو لأمر ربه مسارع مطواع، مهما يكن في ذلك من خسران منفعة عاجلة، أو قهر لشهوة طاغية، أو مقاومة لعاطفة قوية أو غريزة قاهرة أو عادة غالبة.
هذا هو شأن الإيمان القوي الصادق، وهذه بعض ثمراته.
وفي القصة التالية العجيبة -لأب وابن مؤمنين- مثل رائع لليقين الذي لا يعرف الشك، والمسارعة التي لا تعرف التردد أو الحيرة أو التخاذل في أمر الله.
شيخ كبير، اشتاق إلى الولد، ودعا ربه، فأوتيه على الكبر، وبشرته به السماء، (بغلام حليم) فتعلق به قلبه، وأفرغ فيه كل ما لديه من حنان وحب، وظل ينمو فينمو معه حب أبيه، ويشب فيشب معه الأمل والرجاء فيه، وإذا الحكمة الإلهية تأبى إلا أن تصهرهما في امتحان قاس عسير. أن يقرب:لأب إلى الله قربانًا، فيذبح ولده، ويذبح معه حبه ورجاءه وأمله. فهل توقف الوالد عن الأمر؟ أو حتى تردد بين نداء العاطفة ونداء الإيمان؟ بين صوت الوحي من فوقه، وصوت الأبوة ينبثق من حناياه؟ وهل تمرد الابن على أمر يتعلق برقبته؟ أو حتى اصطرعت في نفسه العوامل المتضادة من حب الحياة، والامتثال لأمر الله؟.
كلا. لقد كان يقينهما أكبر من نوازع النفس، وعوامل التردد، فأسلم الوالد ولده. وأسلم الولد عنقه.
تلك هي قصة إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل عليهما السلام.
وليس هناك أصدق ولا أروع من تصوير القرآن لهاتين النفسيتين المؤمنتين، ومدى طمأنينتهما في أحلك ساعات الشدة، ومبلغ الثبات الخلقي الراسخ الذي بدا في تضحية الأب العظيم، وصبر الابن الكريم.
قال تعالى في شأن إبراهيم وولده إسماعيل: (فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟