فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 349

وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود، تتسع نفس المؤمن، وتتسع حياته، وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه.

فليس هناك أوسع من صدر المؤمن وقلبه الذي وسع العالمين، المنظور وغير المنظور، عالم الشهادة وعالم الغيب، ووسع الحياتين: الدنيا والآخرة، حياة الفناء، وحياة الخلود، ووسع الوجودين: الوجود المحدث الفاني، والوجود الواجب الباقي، الوجود الأزلي الأبدي، وجود الله جل جلاله.

وليس هناك أضيق من صدر الملحد والشاك في الله والآخرة، إن حياته أضيق من سجن، بل من"زنزانة"في سجن، إنه يعيش معزولًا عن الأزل والأبد، عن الأمس والغد. لا يعرف إلا يومه، ولا يعرف من يومه إلا لذاته المحسة، وهو يعيش معزولًا عن الوجود العريض، لا يرى منه إلا شخصه وشخوصًا محدودة أخرى، ولا يرى من شخصه إلا جسمه المادي، ودوافعه الحيوانية.

هذه حقيقة ثابتة، وسنة ماضية، منذ أهبط الله آدم وزوجه إلى الأرض ثم قال لهما (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا) (طه: 123، 124) .

فإذا رأيت بعض هؤلاء المعرضين عن هدى الله في بحبوحة من العيش المادي، والنعيم الحسي، فلا يخدعنك ذلك عن حقيقة حالهم، فإن الضنك الحقيقي في أنفسهم. وإذا ضاقت النفس، وضاق الصدر، ضاقت المعيشة وضاقت الحياة كلها. وإذا اتسعت النفس، اتسعت الحياة. وقديمًا قال الشاعر:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق!

إن دائرة الوجود بالنسبة للحيوان دائرة ضيقة محدودة بحدود معدته وكرشه، وما يملؤها من كلأ ومرعى. ولا التفات إلى ما وراء ذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت