فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 349

وقريب من ذلك الطفل، فوجوده ينحصر في أمه وثدييها، فإذا كبر قليلًا اتسع فشمل أباه وأخوته ومسرح لعبه، فإذا نما شيئًا فشيئًا، بدأت تتسع دائرة حسه، ثم انتقل -كلما قارب الرشد- من المحسوس إلى غير المحسوس. فبدأ يدرك المعاني الكلية والمعقولات المجردة.

فالإيمان بالله وبالغيب هو الذي يرتفع بالإنسان من الحيوانية إلى الإنسانية ومن الطفولة إلى الرشد، لأنه يرتفع بالإنسان من المحسوس إلى المعقول، ومن المنظور إلى غير المنظور، ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب.

إن المؤمن يعيش في سعة من نفسه وقلبه، ولو لم يكن في سعة من عيشه، فطبيعة الإيمان توسع النفس والقلب والحياة لأنه يصل صاحبه بالوجود كله، ظاهره وباطنه، علوية وسفليه. وما يبصر منه وما لا يبصر. ماضيه وحاضره ومستقبله. يصله بالسموات والأرض ومن فيهن. يصله بالملائكة وحملة العرش والقوى الروحية من جنود الله التي لا يعلمها إلا هو. يصله بحملة النور الإلهي، وأصحاب الرسالات السماوية من لدن آدم أبي البشر إلى محمد صلى الله عليه وسلم، يصله بالصديقين والشهداء والصالحين من كل أمة، ومن كل عصر، يصله بالآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، وباختصار: يصله بالوجود ورب الوجود، الأول والآخر، والظاهر والباطن .

النفس المؤمنة نفس رحبة واسعة، وكيف لا وهي تعيش في وجود سعته السموات والأرض، والعرش والكرسي، والدنيا والآخرة، والأزل والأبد؟

والنفس المؤمنة رحبة واسعة، لأنها تعيش في نور يهديها سبيلها، ويكشف لها من حولها، ومن شأن النور أن يوسع الدائرة التي يحيا فيها الإنسان على عكس الظلام، فإن الذي تكتنفه الظلمة لا يرى ما حوله ولا من حوله. بل لا يرى الشيء وهو بجواره تكاد تلمسه يداه، بل لا يرى نفسه، ولا شيء أقرب إليه من نفسه، فإذا لاح له شعاع خافت بدأ يرى نفسه، أو شيئًا مما حوله. فإذا قوي هذا النور وانتشرت أشعته العريضة، أضاء له دائرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت