كانت فتنة بين ضمير المؤمن، ومغريات الإثم، ففشلت المغريات وانتصر الإيمان.
والغريزة من شأنها أن تطلب متنفسًا، فإن طال حبسها خيف عليها الانفجار ما لم يحجزها سد الإيمان.
وهذه امرأة يغيب عنها زوجها فترة طويلة من الزمن، فتخيم عليها كآبة الوحشة، وتهجم عليها هواجس الوحدة، ويثور في عرقها دم الأنوثة، وينطق فيها صوت الغريزة فلا يصده إلا حاجز الإيمان، وفي جذع الليل باتت تنشد:
لقد طال هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا حبيب ألاعبه
فوا الله لولا الله تخشى عواقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه
وغريزة المقاتلة التي عبر عنها الأقدمون، بالقوة الغضبية، أو القوة السبعية، والتي تثير الإنسان أن يرد الصاع صاعين، وتدفعه إلى التدمير والانتقام، وبها يبدو كالوحش الهائج، أو الإعصار المدمر. جمرة من النار يلقيها شيطان الغضب في جوفه فتنتفخ أوداجه، وتحمر عيناه، ويبدو كأن له مخالب وأنيابًا؟
ما الذي يقلم أظافر هذه الغريزة، ويلقي على هذه الجمرة المتقدة ماء الهدوء السلام؟
إنه الإيمان الذي يحمل المؤمن أن يكظم الغيظ، ويعفو عمن ظلمه، ويحلم على من جهل عليه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويجعله يحس في مرارة جرعة الغيظ، حلاوة يجدها في صدره.
وقد قص علينا القرآن قصة ابني آدم بالحق: (إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) (المائدة: 27) فما كان من ابن آدم الشرير إلا أن قال لأخيه: (لأقتلنك) (المائدة: 27) قال المؤمن الصالح: (إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين) (المائدة: 27، 28) .