هذه المثل الرفيعة، والأعمال الكبار.
وهذا عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي الراشد الذي يقول فيه مالك ابن دينار: يقولون: مالك زاهد! .. أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة!
أجل، فلم يكن له في خلافته سوى قميص واحد يلبسه، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس. وهو الذي نشأ وشب في أحضان النعيم.
ودخل على امرأته يومًا فسألها أن تقرضه درهمًا يشتري به عنبا، فلم يجد عندها شيئًا .. فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزائنك ما تشتري به عنبا؟!
فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدًا في نار جهنم. وقد اجتهد في مدة ولايته -مع قصرها- حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه ينادى في كل يوم: أين الغارمون؟ أين الراغبون في الزواج؟ أين اليتامى؟ أين المساكين؟ حتى أغنى كلًا من هؤلاء.
ومع عدله وزهده، ورده للمظالم، وشدته على نفسه وأقاربه كان يناجي ربه ليقول: اللهم إن عمر ليس أهلًا أن تناله رحمتك، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر.
وأثنى عليه رجل فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا يا أمير المؤمنين. فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرًا (هذه الأخبار عن عمر بن عبد العزيز ذكرها ابن كثير في"البداية والنهاية"ج 9 ص 192 وما بعدها) .
لقد رد الحق إلى نصابه، فما هو إلا خريج مدرسة الإسلام، وصياغة مصنع الإيمان.
لقد أطلنا في سرد هذه الأمثلة، لأن الحكم الذي لا يقوم عليه رجال مؤمنون، والسياسة التي لا يرعاها ضمير مؤمن إنما هي كما قال الشاعر: