تسأم التفكير، وإلى سواعد لا تشكو التعب، وإلى عزائم لا تشكو الملل والفتور، في حاجة إلى الإنسان الذي يعطي قبل أن يأخذ، ويؤدي الواجب قبل أن يطلب الحق، والإنسان الذي تقر عينه بفراق الأهل من أجل الأمة، بالغربة عن البيت من أجل الوطن، ويطيب نفسًا ببذل المال عند الحاجة، وبذل الروح عند الضرورة، ويضحي بمصلحته الخاصة في سبيل المصلحة العامة، ويرضى بالتقشف والشظف والحرمان، إذا كان فيه انتصار لحق أو خير، بل يستمرئ المر ويستعذب العذاب، ويرحب بالموت الزؤام في سبيل ما يؤمن به من الهدى والحق.
فليت شعري أين يوجد هذا الإنسان؟ ومن أي مدرسة يتخرج؟
لعمري إن المدرسة الفذة التي تخرج هذا الصنف من الناس هي مدرسة الإيمان.
الإيمان يهون على الإنسان كل صعب في سبيل الحق
الإيمان هو الذي يهون على الإنسان شهواته ومطالب دنياه، فإذا هو يكتفي بما يسد الجوعة من الطعام. وما يستر العورة من اللباس. وإذا هو يرضى بالقليل من المال، والمتواضع من المسكن، بل يهون على الإنسان ماله فينفقه، ومسكنه فيهجره، وأهله فيرحل عنهم، بل يهون عليه حياته نفسها، فإذا هو يضع رأسه على كفه، يخوض المعامع، رابط الجأش راضي النفس، مطمئن الضمير. فإذا أدركه الموت في ميدان الجهاد، استقبله بارتياح وسرور، لأنه يوقن أن وراءه الجنة: (ورضوان من الله أكبر) (التوبة: 72) .
ذلك أن الإنسان يكاد لا يعطي شيئًا إلا ليأخذ في مقابله شيئًا، نقدًا أو نسيئة، فنفسه تتطلع دائمًا إلى الجزاء العادل على ما قدم، وقد حاول الفلاسفة الماديون أن يشبعوا هذا الجانب بالأجزية الأخلاقية المجردة عن الدين، وعن طريق ما أسموه «الضمير» الذي يجزي فاعل الخير، ومؤدي الواجب، بالسرور والرضا والارتياح الذي يحسه الإنسان بين جنبيه.
ولكنهم حاروا كيف يجزى من يضحي بنفسه ويبذل روحه ويموت شهيدًا في سبيل الحق؟ إنه لا مجال لرضا النفس وراحتها بعد الموت عند هؤلاء