طلب الخليفة الأموي الشهير (هشام بن عبد الملك) طاووس اليماني يومًا إلى مجلسه، فلما دخل عليه، لم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال:"السلام عليك يا هشام"وجلس بإزائه، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبًا شديدًا حتى هم بقتله، وقال له: يا طاووس، ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبًا وغيظًا، وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبِّل يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت كيف أنت يا هشام، قال: أما ما فعلتُ من وضع نعلي بحاشية بساطك فإني أضعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، وأما قولك لم تقبِّل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول"لا يحل لرجل أن يقبِّل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة"وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليًا يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام، فقال هشام: عظني … فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته - ثم قام.
وفي تاريخنا الحديث رأينا أبطالًا في صور شتى، وفي بلاد عديدة، كلهم تحرروا من الخوف والطمع واستهانوا بالدنيا وما فيها ومن فيها، رغبة فيما عند الله (وما عند الله خير للأبرار) (آل عمران: 198) .
رأينا البطل الليبي المسلم (عمر المختار) الذي حارب الاستعمار الإيطالي، وجيوشه المجهزة بأحدث أسلحة عصره، بالقلة المؤمنة العزلاء، أو شبه العزلاء من جنده: وقف يحارب الطائرة بالحصان، والمدفع بالسيف. واستطاع أن ينزل بأعدائه ضربات موجعة، ولم يرض بالتسليم ساعة ما، رغم نفاد قوته المادية كلها، ولكنه ظل يقول للطليان"لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي".