مخترعًا اخترع المدمرات والناسفات، وإذا كان مكتشفًا اكتشف الغازات المبيدة للشعوب، المخربة للبلاد، والقنبلة الذرية التي تهلك الحرث والنسل، وإذا كان فيه قوة التطبيق والتنفيذ لم ير بأسًا بإلقاء القنابل على الأمم والبلاد.
وبهؤلاء الأفراد تكوَّن المجتمع وتأسست الحكومة، فكان فيه مجتمعًا ماديًا، اجتمع فيه احتكار التاجر وثورة الفقير وتطفيف العامل وشح الغني وغش الوالي، واستبداد السيد وخيانة الخادم وسرقة الخازن ونفعية الوزراء ووطنية (يقصد الكاتب بالوطنية النزعة الإقليمية التي تجعل كل ولائها لأرضها فحسب) الزعماء وإجحاف المشرع وإسراف المخترع والمكتشف وقسوة المنفذ، وبهذه النفسيات المادية تولدت أزمات عنيفة ومشاكل معقدة، تشكو منها الإنسانية بثها وحزنها، كالسوق السوداء وفشو الرشوة والغلاء الفاحش واختفاء الأشياء والتضخم النقدي، وأصبح المفكرون والمشرعون لا يجدون حلًا لهذه المشاكل، وأصبحوا إذا خرجوا من أزمة واجهوا أزمة أخرى، بل إن حلولهم القاهرة ومعالجتهم المؤقتة هي التي تسبب أزمات جديدة، وتنقلوا من حكومة شخصية إلى ديمقراطية إلى دكتاتورية ثم إلى ديمقراطية، ومن نظام رأسمالي إلى نظام اشتراكي إلى شيوعي، وإذا الوضع لا يتغير لأن الفرد الذي هو الأساس لا يتغير، ويجهلون، أو يتجاهلون، في كل ذلك، أن الفرد هو الفاسد المعوج، ولو عرفوا أن الفرد هو الأساس وأنه فاسد معوج لما استطاعوا إصلاحه وتقويمه لأنهم على كثرة مؤسساتهم العلمية ودور التعليم والتربية والنشر، لا يملكون ما يصلحون به النفوس، ويقومون اعوجاجه، ويحولون اتجاهه من الشر إلى الخير، ومن الهدم إلى البناء، لأنهم أفلسوا في الروح، وتخلوا عن الإيمان، وفقدوا كل ما يغذي القلب ويغرس الإيمان، ويعيد الصلة بين العبد وربه، وبين هذه الحياة والحياة الأخرى، وبين المادة والروح، وبين العلم والأخلاق، وفي الأخير، أدى بهم إفلاسهم الروحي وماديتهم العمياء واستكبارهم إلى