وحانت مني التفاتة إلى هذا العصر الذي نعيش فيه فقلت: إني لأرى أقفالًا جديدة على أبواب الحياة الإنسانية وقد قطعت الحياة مراحل طويلة وخطت خطوات واسعة وتعقدت الحياة والتوت وتطورت المسائل وتنوعت، وتساءلت: هل يمكن فتح هذه الأقفال الجديدة بذلك المفتاح العتيق؟ وأبيت أن أحكم بشيء، هل أختبر هذه الأقفال وأضع عليها المفتاح، ولمست هذه الأقفال بالبنان فإذا هي الأقفال القديمة بتلوين جديد، وإذا المشاكل نفس مشاكل العصر القديم، وإذا المشكلة الكبرى وأساس الأزمة هو الفرد الذي لا يزال لبنة المجتمع وأساس الحكومة، ووجدت أن هذا الفرد قد أصبح اليوم لا يؤمن إلا بالمادة والقوة، ولا يعنى إلا بذاته وشهواته وأنه يبالغ في تقدير هذه الحياة ويسرف في عبادة الذات وإرضاء الشهوات، وقد انقطعت الصلة بينه وبين ربه ورسالة الأنبياء وعقيدة الآخرة، فكان هذا الفرد هو مصدر شقاء هذه المدينة، فإذا كان تاجرًا فهو التاجر المحتكر النهم الذي يحجب السلع أيام رخصها ويبرزها عند غلائها ويسبب المجاعات والأزمات، وإذا كان فقيرًا فهو الفقير الثائر الذي يريد أن يتغلب على جهود الآخرين بغير تعب، وإذا كان عاملًا فهو العامل المطفف الذي يريد أن يأخذ ما له ولا يدفع ما عليه، وإذا كان غنيًا فهو الغني الشحيح القاسي الذي لا رحمة فيه ولا عطف، وإذا كان واليًا فهو الوالي الغاش الناهب للأموال، وإذا كان سيدًا فهو الرجل المستبد المستأثر الذي لا ينظر إلا إلى فائدته وراحته، وإذا كان خادمًا فهو الضعيف الخائن، وإذا كان خازنًا فهو السارق المختلس للأموال، وإذا كان وزير دولة أو رئيس وزارة أو رئيس جمهورية فهو المادي المستأثر الذي لا يخدم إلا نفسه وحزبه ولا يعرف غيره. وإذا كان زعيمًا أو قائدًا فهو الوطني أو الجنسي الذي يقدس وطنه ويعبد عنصره ويدوس كرامة البلاد الأخرى والشعوب الأخرى، وإذا كان مشرعًا فهو الذي يسن القوانين الجائرة والضرائب الفادحة، وإذا كان