وقد تعلق الناس بعلم النفس، لأنه علم الحياة، وابتهجوا به وانصرفوا إليه، ظانين أنه سينقذهم من الانحرافات والاندفاعات، من الأمراض العصبية والعقلية، ولكن هل حقق كل ما علقوه عليه من آمال؟ .. هل حقق بعض ما علقوه عليه من آمال! … الجواب -كما قلت في المحاضرة- عند العيادات النفسية الكثيرة المنبثة في أمريكا بعدد أوفر مما في غيرها!! في هذه العيادات مآس لجأ أصحابها إلى المحللين النفسيين يلتمسون عندهم الشفاء … فهل نجحوا؟ … هل شفى اليائسون من الحياة، لأن نفوسهم مضطربة قلقة معقدة؟ .. إن الإحصائيات لا تستطيع أن تؤكد -وحتى في الحالات التي شفى فيها المريض- أن التحليل النفسي -والتحليل النفسي وحده- كان السبب في الشفاء!!
وفي أمريكا بالذات تكثر الأمراض النفسية والعقلية بصورة لا مثيل لها (راجع الإحصائيات التي ذكرها"الكسيس كاريل"، ونقلناها عنه في الصفحات الفائتة) . وفي أمريكا هذه توجد عيادات نفسية لا حصر لها، وكل ما يقوله المحللون النفسيون. أو أكثر ما يقولونه لرواد هذه العيادات إذا كانوا شبانًا أو فتيات: أن اذهبوا وتصرفوا كما تشاؤون!! إن أمراضكم النفسية سببها الكبت والخوف من التقاليد والأمراض والعار!! فماذا كانت النتيجة؟ .. كانت هذه الانحرافات التي لا حصر لها، وهذا التحليل الذي دمر -أو كاد- الحياة العائلية، ثم لم يمنح أصحابه السعادة التي كانوا ينشدونها!
هذا هو ما قلته … وهو لا يتضمن إنكارًا لفضل علم النفس، ولكنه يتضمن أن علم النفس لم يوفق، حتى الآن، إلى كشف تلك المنطقة الهائلة الرائعة، الصغيرة الكبيرة، منطقة النفس. وأن كل ما بلغه تحليل لبعض الظواهر، وتعليل لبعض التصرفات، فقد يكون صادقًا وقد لا يكون.
إن ما نعلمه عن الحياة وأسرارها، بفضل كشوف العلوم وتفكير المفكرين لا يزال ضئيلًا جدًا إذا قيس إلى ما لا نعلمه ولا نستطيع تعريفه ولا تعليله.