إن العلم حتى الآن، بكل ما له من تاريخ ناصع، وانتصارات عظيمة رائعة مجيدة، لم يستطع أن يعرف: كيف تعمل أعضاء الإنسان كلها، وكيف تتصرف وتنشأ وتمرض وتموت؟؟ لقد وفق في علاج كثير من الأمراض، ولكن لم يوفق في علاج كثير آخر منها ... وفق في معرفة بعض وظائف الأعضاء، ولكنه لم يوفق في معرفة سائر الوظائف ... وفق في تشخيص بعض الأمراض، ولكنه عجز عن اقتحام اللغز الأكبر: هل عرف كيف وجد الإنسان؟ .. ولماذا وجد؟ وكيف يموت؟ … ولماذا يموت؟ وماذا بعد الموت؟ وماذا قبل الحياة؟!
كل هذه ميادين لا تزال بكرًا، وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت، وعلى الرغم من كل الادعاءات المستندة إلى فهم والمستندة إلى تدجيل وسوء فهم … كل هذه الميادين لا تزال -وستظل إلى ما شاء الله- مجال الإيمان الذي لا يستطيع العلم أن يقتحم منطقته..
ولنأخذ نفس الإنسان، ذلك الجوهر الذي يسعده ويشقيه، يمرضه ويشفيه، يجعله مرحًا كأن الدنيا بين يديه، وفجأة تضيق وكأنها ثقب إبرة .. هذه النفس التي تنحرف وتعتدل، تزكو وتضمر … تكون عبقرية، كأنما يوحى إليها من السماء، وتكون شريرة كأنها لهب من الجحيم … هذه النفس هل عرفناها؟ .. هل حددناها؟ هل صورنا أمراضها واهتدينا إلى علاجها؟ إن علم النفس بكل الجهود المضنية التي بذلها لا يزال يقف عند الشاطئ، ولا تزال نظرياته مجالًا للاختلاف والشك، ولا تزال تتطور جيلًا بعد جيل، وطرائق بعد طرائق…
كان «فرويد» أستاذ هذه المدرسة، وتبعه كثيرون، منهم من سار على منهجه، ومنهم من عارضه، ومنهم من اختلف وإياه في الطريق والنهج .. ترى هل وفق علم النفس حتى اليوم، إلى معرفة النفس؟ .. قد يكون وفق إلى معرفة بعض مظاهرها وانفعالاتها .. قد يكون وفق إلى ردها إلى أسباب تصدق أو تكذب، ولكنه لا يزال جاهلًا هذه النفس.