الدستوري والسياسي، أو الفقه الاقتصادي وفقه المعاملات، أو الفقه الطبي والصحي، ونحو ذلك.
ويمكن أن يفتح الله له فتحًا مبينًا، في هذه المجالات كلها، فيرتقي إلى درجة المجتهد المطلق، وليس في شرع الله تعالى ولا في قدره ما يحول دون ذلك، وما ذلك على الله بعزيز، ولم يخص الله فضله ومواهبه ببعض الأجيال دون بعض، ولم يحجر فضله عن جيل من الأجيال، بل فضل الله تعالى لم يزل ولن يزال فياضًا واسعًا، يؤتيه من يشاء وهو واسع عليم، يخص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
لا يبعد أن يظهر في عصرنا وما بعد عصرنا مجتهد مطلق، يجتهد في مسائل الفقه كلها أو جلها، وإن كان منتسبًا إلى مذهب من المذاهب المتبوعة، غير مستقل بأصول خاصة به، وهو الذي يسمونه"المجتهد المطلق المنتسب".
بل لا يبعد أن يظهر في عصرنا وما بعد عصرنا مجتهد مطلق مستقل، غير منتسب إلى مذهب من المذاهب المتبوعة، بل له أصوله الخاصة التي قد يكون اقتبسها من مجموع أصول المذاهب، منتقيًا منها ومصححًا ومعدلًا.
وهذا ما رأيناه في القرن الثاني عشر الهجري ممثلًا في العلامة ابن الأمير الصنعاني (ت: 1182 ه) .
وفي القرن الثالث عشر الهجري ممثلًا في العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت: 1250 ه) .
ومقتضى هذا أن يكون للمجتهد المطلق المستقل أصوله الخاصة، التي يتفرد بها عن غيره من الأئمة، وقد تكون ملفقة أو مجمعة من هذا المذهب وذاك، وهذا ما استوجب من الشوكاني أن ينظر في مسائل علم الأصول الموروث ويرجح فيها ويختار منها ما تبين له أنه الحق والصواب، وهذا ما تجلى في كتابه:"إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول".
ومقتضى هذا أن أصول الفقه نفسها قابلة للاجتهاد (1) ، لا إلى حد هدم
(1) انظر في ذلك: كتابنا"الاجتهاد في الشريعة الإسلامية".