فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 305

القرون، وأن الله تعالى قد تفضل على هذه الأمة، فلم يخل عصر من عصورها من مجتهد أو أكثر.

وهذه حقيقة واضحة كالشمس في ضحى النهار لكل دارس لتراث الأمة، مطلع على تاريخ فقهائها، من مختلف الأقطار، وشتى المذاهب والمدارس.

وربما غشي هذه الحقيقة: أن كثيرًا من هؤلاء العلماء الكبار الذين بلغوا رتبة الاجتهاد لم يعلنوا ذلك جهارًا للناس، ولعلهم لم يجدوا لذلك حاجة بينة.

كما أن هؤلاء المجتهدين كانوا"منشئين لمذاهب قائمة"، فكان اجتهادهم، مطلقًا، ولكن في إطار مذهب ارتضوا أصوله، وقبلوا منهاجه، فكان اجتهادهم في ضوئه، وإن خرجوا عليه في بعض الأحكام.

ومن المعلوم: أن الاجتهاد منه ما هو مقيد، ومنه ما هو مطلق، وأن الاجتهاد المطلق منه ما هو منتسب، وما هو مستقل.

والاجتهاد المطلق المنتسب: أن يبلغ درجة الاجتهاد في جميع مسائل الفقه، في إطار أصول إمام المذهب، وضربوا مثلًا لذلك بأصحاب أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد وزفر، وأصحاب مالك: ابن القاسم وأشهب وابن وهب، وأصحاب الشافعي: المزني والبويطي وأمثالهما، وإن ناقش بعض العلماء هذه الدعوى، ولم يسلم بها، وقال: إن ما بين أبي يوسف ومحمد، وبين شيخها أبي حنيفة، ليس أكثر مما بين أبي حنيفة وشيخه حماد، ولا أكثر مما بين شيخه حماد وإبراهيم النخعي ... إلخ.

المهم أن لدينا قائمة غير قليلة لعدد المجتهدين بعد عصر الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم -.

قال النووي في شرح"المهذب": المزني وأبو ثور، وأبو بكر بن المنذر أئمة مجتهدون، وهم منسوبون للشافعي.

فأما المزني وأبو ثور فصاحبان للشافعي حقيقة. وابن المنذر متأخر عنهما، وقد صرح في"المذهب"في مواضع كثيرة بأن الثلاثة من أصحابنا أصحاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت