فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 305

وقد روي أن هارون الرشيد قال للإمام مالك بن أنس: نكتب هذه الكتب"يعني: الموطأ"ونفرقها في آفاق الإسلام، لتحمل عليها الأمة، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى (1) .

وصنف رجل كتابًا في"الاختلاف"فقال له الإمام أحمد: لا تسمّه كتاب الاختلاف، ولكن سمّه كتاب السعة (2) .

وقد سبقه إلى ذلك أحد التابعين، وهو طلحة بن مصرّف، فقد روى عنه موسى الجهني قال: كان طلحة إذا ذكر عنده الاختلاف، قال: لا تقولوا:"الاختلاف"ولكن قولوا"السعة" (3)

وقد قال الإمام ابن قدامة في مقدمة كتابه الشهير"المغني": إن الله تعالى جعل هذه الأمة مع علمائها، كالأمم الخالية مع أنبيائها، وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها، وينتهى إلى رأيها. وجعل في سلف هذه الأمة من الأعلام، من مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، تحيا القلوب بأخبارهم، وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم (4) ...

فانظر كيف اعتبر اختلاف الأئمة رحمة وسعة، فهي نعمة على الأمة لا نقمة، ومنفعة لا مضرة.

وقد اعتبرت بعض المؤتمرات الحقوقية العالمية المعاصرة: اختلاف المذاهب الفقهية عند المسلمين يمثل ثروة حقوقية تشريعية طائلة، يجب الاستفادة منها، وتعتبر ميزة للشريعة الإسلامية.

(1) "من عقود الجمان"للحافظ الصالحي (1/ 11) ، و"كشف الخفاء"للعجلوني (1/ 66) حديث (153) .

(2) "طبقات الحنابلة"لأبي يعلى (1/ 111) .

(3) "حلية الأولياء"لأبي نعيم (5/ 119) .

(4) انظر:"المغني" (1/ 4) طبعة هجر بتحقيق الدكتورين التركي والحلو. وكذلك ذكر هذه العبارة في آخر كتابه"لمعة الاعتقاد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت