فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 305

المحمدية صلفة، ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة. وقد كان هذا الرجل سيفًا مسولًا على المتكلمين، له صولة وهيبة واستيلاء على النفوس ببلده، يعظمونه، ويتغالون فيه، ويبذلون أرواحهم فيما يأبه. كان عندهم أطوع وأرفع من السلطان بكثير، وكان طودًا راسيًا في السنة لا يتزلزل ولا يلين، لولا ما كدر كتابه:"الفروق في الصفات"بذكر أحاديث باطلة يجب بيانها وهتكها، والله يغفر له بحسن قصده، وصنف"أربعين"في التوحيد، و"الأربعين"في السنة، وقد امتحن مرات، وأوذي، ونفي من بلده (1) انتهى.

وفي موضع آخر من الترجمة يقول:

"قال الحافظ أبو النضر الفامي: كان شيخ الإسلام أبو إسماعيل بكر الزمان وواسطة عقد المعاني، وصورة الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن، منها نصرة الدين والسنة، من غير مداهنة ولا مراقبة لسلطان ولا وزير، وقد قاسى بذلك قصد الحساد في كل وقت، وسعوا في روحه مرارًا، وعمدوا إلى إهلاكه أطوارًا، فوقاه الله شرهم، وجعل قصدهم أقوى سببٍ لارتفاع شأنه (2) ."

قلت:"والقائل الذهبي":"قد انتفع به خلق، وجهل آخرون، فإن طائفة من صوفة الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في"منازل السائرين"وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم. كلا، بل هو رجل أثري، لهج بإثبات نصوص الصفات، منافر للكلام وأهله جدا، وفي"منازله" (3) إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناء هو الغيبة عن شهود السوى، ولم يرد محو السوى في الخارج، ويا ليته لا صنف ذلك، فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين! ما خاضوا في مثل هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذلوا له وتوكلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (4) انتهى.

(1) "سير أعلام النبلاء" (18/ 509) .

(2) وانظر:"تذكرة الحفاظ"للذهبي (3/ 1184) .

(3) أي كتابه:"منازل السائرين".

(4) من"سير الأعلام" (18/ 510) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت