فقال: إن كان لبسه وهو يتأول: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» يصلَّى خلفه.
قيل له: أفتراه أنت جائزًا؟
قال: لا، نحن لا نراه جائزًا، ولكن إذا كان هو يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه.
ثم قال أبو عبد الله - أي أحمد بن حنبل: لو أن رجلًا لم ير الوضوء من الدم لم يصل خلفه؟! ثم قال: نحن نرى الوضوء من الدم، فلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك ومن سهل في الدم؟! أي بلى (1) .
وفي التمهيد لابن عبد البر قال - بعد أن ذكر قول الأئمة الثلاثة وغيرهم - في حكم من صلى الجمعة قبل الزوال:
كل هؤلاء يقول: لا تجوز الجمعة قبل الزوال، ولا يخطب لها إلا بعد الزوال، وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة الفتوى. وقد كان أحمد بن حنبل يقول: من صلَّاها قبل الزوال لم أعبه، وقال الأثرم: قلت له: يا أبا عبد الله، ما ترى في صلاة الجمعة قبل زوال الشمس؟
فقال: فيها من الاختلاف ما قد علمت (2) .
وقال الإمام أحمد: إنما ينبغي أن يؤمر الناس بالأمر البيِّن الذي لا شكّ فيه (3) .
وهكذا ترى تسامحهم في المختلف فيه، ولا يرمون المخالف بالنبال والسهام الجارحة - بل القاتلة - كما يفعل بعض أتباعهم في عصرنا.
وكان أبو حنيفة يفتي بأن المزارعة لا تجوز، ثم يفرع على القول بجوازها، وبقول: إن الناس لا يأخذون بقولي في المنع، ولهذا صار صاحباه إلى القول بجوازها (4) .
(1) "أدب الاختلاف" (ص 37، 38) .
(2) "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر" (4/ 53) .
(3) "الآداب الشرعية" (2/ 62) نقلًا عن"أدب الاختلاف" (ص 39) .
(4) "مجموع الفتاوى" (30/ 81) .