فأجاب: ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه نص من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك (1) .
وروى الحافظ أبو نعيم في"حلية الأولياء" (2) ، عن عبد الله بن الحكم قال:"سمعت مالك بن أنس رحمه الله تعالى يقول: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق"الموطأ"في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقلت: - لا تفعل -، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلٌّ عند نفسه مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله".
وتروى هذه القصة أنها وقعت بين مالك وأبي جعفر المنصور. ولعلها تكررت مع المنصور والرشيد. فقد روى ابن سعد في"الطبقات"عن محمد بن عمر الأسلمي الواقدي، قال: سمع مالك بن أنس يقول: لما حج المنصور قال لي: إني قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره. فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سيق إليهم، ودانوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم"."
وبهذه النقول كلها - فضلًا عما تقدم من الركائز والقواعد - يتبين لنا صحة"القاعدة"الذهبية التي وضعها ودعا إليها العلامة السلفي المجدد الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله صاحب مجلة"المنار"وتفسير"المنار"، وهي التي تقول:"نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، وقد
(1) "مجموع الفتاوى" (30/ 79، 80) .
(2) "حلية الأولياء" (6/ 332) .