وقيل لابن عمر في ذلك، فقال: إذا قالوا: حي على الصلاة أجبناهم، وإذا قالوا: حي على سفك الدماء تركناهم، وقال عثمان رضي الله عنه: إن الصلاة من أحسن ما عمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
ثم قلت: فيقال لك: إن الذي نصلي خلفه يجيز المسح على الجورب دون أن يكون عليه أديم (1) ، وهذا يا أخي عجب! اعلم أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الجوربين دون أن يذكر أحد في ذلك جلدًا، أوضح ذلك أبو مسعود البدري، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، ولا يعرف لهم رضي الله عنهم في ذلك مخالف من الصحابة.
وصح ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، والأعمش.
واختلف في ذلك عن عطاء، والإباحة أصح عنه.
وسئل عن ذلك أحمد بن حنبل فقال: هو مروي عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كنت لا تستجيز الصلاة خلف من سميت لك، فقد خسرت صفقتك (2) .
ثم ذكرت أن ذلك الإمام قيل له: إنه يجيز الوضوء بالنبيذ (3) ، فاعلم يا أخي أن الوضوء بالنبيذ، وإن كنا لا نقول به؛ لأنه لم يصح الحديث في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد رويناه عن علي بن أبي طالب وعكرمة والأوزاعي، وروي عن الحسن بن حي وحميد بن عبد الرحمن وغيرهما من الفقهاء. فإن كنت لا تجيز الصلاة خلف هؤلاء، فأنت أعلم (4) .
(1) أي جلد.
(2) هذا كناية عن أنه فاته الصواب، كما يعبر عن فوات الربح على التاجر في بيعه بقولهم:"خسرت صفقتك".
(3) النبيذ هنا هو الماء الذي ألقي فيه تمرات حتى يأخذ الماء حلاوته قبل أن يشتد ويصير مسكرًا، فليس هو من الخمر وأنواعه في شيء، وبسط بيان هذا في كتب فقهاء السادة الحنفية.
(4) يعني: أنت وشأنك، ويشير ابن حزم بذلك إلى إنكاره لهذا.