ثم قلت: إن ذلك الإمام يجيز الوضوء والغسل من حوض الحمّام، وهو راكد، وهذا يا أخي أعجوبة! أما علمت أن حُذَّاق أصحاب مالك: إسماعيل القاضي وكل من بعده هذا قولهم؟ وهم الذي يُحققون على مالك (1) وينصرونه، وهو أن كلَّ ماء - عندهم (2) - وإن حَلَّته نجاسة فلم تغُير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر يتوضأ فيه ويُغتسل به.
ثم قلت: إن ذلك الإمام لا يوجب الماء إلا من الماء (3) ، فاعلم يا هذا أن هذا القول وإن كنا لا نقول به؛ لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إيجاب الغسل وإن لم يُنزل، فأخذن بهذا لأنه زائد على الحديث الآخر، فقد قال بهذا القول مَنْ يومٌ من أيامه يعدل كل من أتى بعده ويأتي إلى نزول المسيح - عليه السلام - وهو عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وأبو أيوب الأنصاري وأُبَي بن كعب وعبد الله بن مسعود وأبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وابن عباس والنعمان بن بشير.
ومن التابعين الأعمش وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهشام بن عروة وعطاء بن أبي رباح وجماعة من بعد هؤلاء.
فإن كنت ترفع نفسك عن الصلاة خلف هؤلاء فستَرِدُ وتعلم (4) .
ثم قلت: إن ذلك الإمام قيل عنه إنه يرى الجرَعة من الخمر ليست حرامًا، وأن النقطة والنقطتين من الخمر لا تنجس الثياب ولا الجسد، فهذا غير ما كنا فيه، ولا خلاف بين أحد من المسلمين أن من استحل الخمر قليلها وكثيرها فهو كافر مشرك مرتد، هو عندنا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل فكان ماله فيئًا (5) .
(1) أي يثبتون وينقلونه عن مالك.
(2) في الأصل:"أن كل ما عندهم"، وصوابه ما ترى.
(3) أي لا يوجب الغسل إلا من إنزال المني، ولا يوجبه من الجماع بدون الإنزال، وهذا قول مرجوح خلاف ما عليه جمهور العلماء.
(4) أي فسترد في الآخرة، وتعلم عقاب ذلك.
(5) أي غنيمة لبيت مال المسلمين. قال القرضاوي: هذا فيمن استحل قليل الخمر، أما مسألة نجاسة الخمر الحسية ففيها خلاف بعض علماء السلف، كما ذكر القرطبي وغيره.